في بلاد الأشياء العابرة

الاثنين 2016/01/18
العيش شيء والفن شيء آخر

حين حط جبران خليل جبران رحاله عام 1895 في بوسطن الأميركية، كتب بالإنكليزية وبرشاقة من يحلم، فكان كتابه “النبي” الذي صدر عام 1923 بمثابة إنجيل جديد، بالرغم من أن المؤلف نفسه لا يخفي تأثره بكتاب “هكذا تكلم زرادشت” للألماني فردريك نيتشه.

رومانسي مثل جبران لا يبالغ حين يقول في إحدى رسائله عن ذلك الكتاب “فكرت بكتابته منذ ألف عام”. وهو ما لا ينفي الجهد الجبار الذي بذله خلال أربعة أعوام من 1919 حتى 1923، هي زمن كتابة النبي.

من المؤكد أن جبران كان استثناء في ما حققه من شهرة، إن على مستوى النخبة الأدبية أو على مستوى التداول الشعبي، ذلك لأن أحدا ممن لحقوا به إلى الهجرة لم يحقق جزءا يسيرا مما حققه؛ الآلاف من الرسامين والكتاب العرب هاجروا إلى الولايات المتحدة وأوروبا من غير أن يكون لوقع خطواتهم صدى.

الأقل كان قد صنعه المغربي الطاهر بن جلون والجزائرية آسيا جبار واللبناني أمين معلوف، ولكن حجم الهجرة كان أكبر مما يشهده الواقع من حقائق.

هناك اليوم الآلاف من الرسامين والكتاب العرب، ممن يقيمون في الغرب لا علاقة لهم بمحل إقامتهم، العيش شيء والفن شيء آخر.

لقد أعاد الفنانون والأدباء المقيمون في الغرب إنتاج أفكار مجتمعاتهم القديمة، لم يكونوا متمرّدين بحجم ما كان عليه جبران. لذلك ارتدّوا إلى ما كانوا عليه قبل هجرتهم.

المؤلم حقا أن يتحولوا إلى كائنات فلكلورية، كائنات تذكر بماض لم يعشه أحد، غير أن المساءلة في المجال الإبداعي هي حق لا يمكن نقضه.

فظاهرة شعرية مثل ظاهرة العراقي سركون بولص الذي عاش حياته مرتحلا، يمكن أن يحبطها وجود المئات من الشعراء العراقيين الفاشلين المقيمين في الغرب، وهو ما يؤكد حقيقة أن الحرية لا يجسدها سوى الأحرار. كان جبران حرا.

16