في بنية النظام السوري: لماذا لم يسقط

الأربعاء 2014/08/20

رفعت تظاهرات العام الأول للثورة شعار إسقاط النظام. لم يعمل السياسيون بجدية وواقعية على القول كيف؟

بعضُهم استسهل استنساخ التجربة الليبية، فطالب أميركا وحلف الناتو وتركيا بضرب النظام عسكرياً وإسقاطه، أو تأمين غطاء جوي، أو طلب الدعم بالسلاح، وهو ما تبين أنه طرح غير واقعي، فضلاً عن سوء هذا الطرح أصلاً، حيث لا يتدخل الغرب الإمبريالي إلا لأجل مصالحه، ومصالحه ليست في دعم ثورات الشعوب، بل مصادرتها، وتفتيت البنية التحتية، وتفكيك المجتمعات، وهذا ما يقوم به النظام بالضبط.

البعض الآخر من المعارضين رأى إسقاط النظام عبر الحوار معه، واللجوء إلى داعميه، روسيا وإيران، للضغط عليه لقبول الحل السياسي، هذا الطرح غير واقعي أيضاً، فبنية النظام لا تقبل التحاور دون ضغوط حقيقية، وحلفاؤه المنتفعون من أزمته وحاجتِه إلى الدعم، لا مصلحة لهم في التغيير الآن، فلا ضمانة لاستمرار هذه المصالح الآنية وعدم عودتها إلى الأوروبيين والأميركان والأتراك مجدداً.

حتى الأشهر الأولى من عام 2013، أحرز الجيش الحر تقدماً رغم تفككه، وبدأت قوات النظام البشرية في الانهيار، فقد وصل الثوار إلى مشارف العباسيين في العاصمة، لكن النظام سرعان ما استعان بمقاتلي حزب الله وميليشيات شيعية من العراق، وفي الوقت نفسه عملت المخابرات الإقليمية على دعم الأصولية بشكل متصاعد، وقررت تصفية كل أشكال النشاط المدني الشعبي، عبر أشكال وأنماط من الإسلام السياسي/ الجهادي، ومنذ ذلك الحين توقفت عمليات الانشقاق السياسي والعسكري عن النظام، وكان سقوط القصير أول حدث مزلزل في الثورة بعد أن استعاد النظام أنفاسه حينها.

إسقاط النظام كان يتطلب تحديد بنية النظام بموضوعية وعمق. فقد عُمّم توصيف متصاعد للنظام بأنه نظام علوي أو طائفي، أو أقلها أن جلّ قوّته في اعتماده على العلويين للقتال معه، بسبب ولاءٍ أبدي منهم، البعض عزاه إلى أسباب دينية ومذهبية. من هنا، ومنذ بدأت الثورة، تصاعد حديث عن نية النظام إقامة دولة علوية، أو تقسيم البلاد على أسس طائفية.

بغض النظر عن مدى دقة وواقعية هذه الطروحات، لكن تعميمها كانت له نتيجتان هامتان برزتا خلال العام 2013 وإلى الآن:

الأولى هي عدم العمل على استقطاب البيئات الموالية للنظام، خاصة في الساحل، واعتبار أنها موالية له إلى الأبد. الواقع أن تلك البيئات متضررة من سياسات النظام كما المناطق التي انتفضت، وكان من الضروري انضمامها إلى الثورة. النظام يدرك أهمية الحفاظ على ولاء تلك البيئات، لذلك خوّفها من الثورة، بوصفها ثورة سنية وأصولية.

جزءٌ من ناشطي الثورة، والمعارضين، خاصة من كان يظهر على الإعلام آنذاك، عزز مخاوف العلويين والأقليات الدينية والعلمانيين، وبالتالي حيدهم عن الثورة. لم تتقدم قوى المعارضة بأي برامج وطنية شاملة، تطمئن الشعب السوري كله بأنه سيحظى بمستوى معيشي أفضل، بل اكتفت بعض المعارضة بحديث عام عن المواطنة والديمقراطية، والوحدة الوطنية، وإطلاق الحريات العامة، وكأنها وعود انتخابية منهم في حال وصلوا إلى الحكم، دون القول بضمانات تحقيقها، المتمثلة في تمكين الشعب من تنظيم نفسه في مؤسسات شعبية ومحلية ومهنية، وأخذ دوره عبرها في تصحيح الثورة، والمشاركة في الحكم القادم، وفي الرقابة والمحاسبة.

المشكلة أن غالبية المعارضين الليبراليين تبنوا خطاب الإخوان المسلمين، وخطاب الغرب الإمبريالي في الوقت نفسه، حول طمأنة الأقليات والعلويين، أي في دولة “الأكثرية السنية”.

النتيجة الثانية وهي السماح بتصاعد الطائفية المضادة ضمن الثورة، وهو ما عمل النظام لأجله، عبر استفزاز المنتفضين بنشر فيديوهات عن انتهاكات طائفية من قبل شبيحته. أي أن النظام نجح في تعميم الحقد الطائفي ضمن الحاضنة الشعبية للجيش الحر، وبالتالي سمحت تلك الحاضنة للمد الأصولي والجهادي بالتغلغل إليها، بالتأكيد الدعم المالي الخليجي له الدور الأبرز. هذا ما أراده النظام لضرب الثورة من داخلها، وانفضاض الحاضنة الشعبية عنها. بالتالي تمكن النظام من تحييد شرائح واسعة من الشعب عن الثورة، بل وضم أعداداً أكبر من المقاتلين إليه.

استمرار التصاق الموالين بالنظام عزز من فرص تصاعد الجهادية، كما أن تصاعد الجهادية عزز مخاوف الموالين وزاد ارتباطهم بالنظام. أي أن النتيجة الأولى عززت الثانية والعكس صحيح.

النظام مافيا عائلية تسيطر على اقتصاد البلاد، وتتحكم به أمنياً. وتستفيد منه ثلة ضيقة من رجال الأعمال المرتبطين به عضوياً، عبر الشراكة مع قيادات الأجهزة الأمنية. هنا القمع في خدمة النهب، وليس لأنه سمة تخص النظام بوصفه فاشياً. فهو يستغل كل تناقضات المجتمع لحماية مصالحه تلك، منها الطائفية والعشائرية، وأبناء الطبقة الوسطى في دمشق وحلب، الباحثون عن الاستقرار الذي يوهمهم النظام بأنه مرتبط به، وبعض التنظيمات الفلسطينية، وبعض الأحزاب القديمة التي انتعشت خلال الأزمة. هذا ما لم تتمكن الثورة من كسره، بل احتوت في قلبها كل ما يعزّزه.

اليوم البيئات الموالية تتململ، لا انتباه لدى المعارضة المتمثلة بالائتلاف لهم، ولا خطة لتأمين انشقاق العسكريين وعائلاتهم. لقد كان انفضاض البيئات الشعبية الموالية عن تأييد النظام كفيلا بتخلي داعميه عنه، منذ البداية، وبالتالي سقوطه. وقد وُجه إليهم خطاب عشوائي، لا يخلو من التهديد، يدعوهم للانضمام إلى الثورة، دون أن يبدد مخاوفهم، خطاب لا يخلو من الطائفية عندما يتوجه هؤلاء المعارضون إلى مؤيدي النظام من السنة في دمشق وحلب، خطاب جله تحميلُ البسطاء في القرى النائية مسؤولية قلة وعيهم، وعدم إدراكهم لمصلحتهم في الثورة. وقد تناسى هؤلاء السياسيون المخضرمون قلة إدراكهم، هم أنفسهم، لطبيعة النظام وبنيته، وضرورة استقطاب كل المتضررين من سياسات النظام في النهب والقمع.


كاتبة سورية

9