في بيتنا فأر

الأربعاء 2014/12/31

أعتذر مقدما للسيدات والآنسات من بنات جنسي على ما قد يبدو مزعجا في مقالي.. فنحن الحلقة الأضعف في صراع الإنسان مع الفأر.. رغم أننا غالبا لا نخافُ الفئران قدر ما نعافها.. لشعورنا بوجود حيوان قذر يعيش معنا.. ويدمّرُ إحساسنا بأهليّة المكان للعيش.. ولكننا أيضا نستحيلُ رجالاً أشدّاء حين يتعلق الأمر بسلامة بيتنا وأطفالنا..

نعم لقد رأيته.. هو فأر بلا شك.. رغم سرعة مروره أمامي.. رغم صغر حجمه الذي خمّنتُ ألا يتجاوز طول إصبعي.. ولم يعفني صغر حجمه من إحساسي بالذنب لأنني لم أحتطْ للأمر كما يجب.. رغم علمي باحتمالية دخوله البيت في هذا التوقيت من العام.. حين يبرد الجو في الخارج باحثاً لنفسه عن مأوى دافئ.. فيربك حياتنا الدافئة..

وراحتْ تفاصيلُ أفلام كارتون توم وجيري تقضُّ مضجعي مثل فيلم مرعب.. وأكرّر: ليس رعبا من حيوان صغير لا حول له ولا قوة.. لكنه الرعب مما سيخلفه من دمار وقذارة ومرض يصعب السيطرة عليها..

ويدخل كل أهل بيتي في الإنذار: (ج).. وتبدأ حملات “توعية الأطفال”.. وحملات المكافحة والتعقيم.. وزرع أركان البيت بالسم والمصائد والفخاخ..

وبما أنني أعيشُ في بلدٍ أوروبي متحضّر.. فقد أحببتُ أن أستثمر غربتي بما يفيد.. فأطلبُ المساعدة من شركة متخصصة في مكافحة القوارض.. ويأتي المندوب السامي مسلحا بعلمهِ وخبرتهِ وسمومهِ وبأسلحةِ دمار الفئران الشاملة.. وأروحُ أغدق عليه عشرات الاستفسارات والأسئلة المحرجة التي لا يُعدمُ جوابا لأّيٍّ منها.. فيستحقُ مني لقبَ: بروفيسور الفئران!.. ويغادرنا ونحن سعداء مطمئنون متفائلون بأن كل شيء سيكون على ما يرام..

ولكن هيهات!.. لو كان الأمر بهذه السهولة لما بقي مسلسل توم وجيري مئة عام وهو يتجدّد ويتجدد.. ولَقضيَ الأمرُ من الحلقة الأولى!..

فلم يجدِ نفعا لا زيارة ولا اثنتين.. وقد اكتشفنا بسرعة أن ثمة الكثير من الفتحاتِ التي يتسلّلُ منها الفأرُ إلى بيتنا وقد غفل عنها بروفيسور الفئران.. أو إنه كان جاداً في عمله لكنه أنجز ماعليه وذهب لبيته الخالي من الأعداء والزوار المزعجين.. ونام مطمئناً خالي البال.. أما نحن، أهل البيت الأدرى بشعابه، فقد أرّقنا العدو الذي استباح بيتنا.. وطاب له المقام..

تساءلتُ إذ لمحتُ حركته وآثار عدوانه في إحدى الغرف وأغلقتُ الباب لأحكم حبسه واصطياده:.. هل لي أن أسمّي هذه حجرة الفئران وأنهي الأمر؟.. هل لي أن أهجرها وأدعه يهنأ فيها؟.. ولكنه بيتي أنا!.. ولن أستطيع أن أتقاسم حياتي مع فأر!.. ولن أتبرّع له بغرفة أو حتى حفرة!..

فكيف وقد اجتاحَت أرضَنا عصابة ُفئران شرسة؟.. عصابة استباحتْ كل شيء.. وكانت النساء الحلقة الأضعف في الصراع:.. سبياً واغتصاباً ونخاسة ونجاسة.. ولم يسلم من بطشها طفل أو شيخ أو عاجز..

أتعجّب كيف لا يهبّ كل أهلي لطردها!.. لا بأس في استثمار المساعدة من الخارج.. لكنهم في آخر المطاف سيعودون إلى ديارهم الخالية من الأعداء وينامون هانئين مطمئني البال على أرضهم وأطفالهم..

لا أخفيكم أنني مازلتُ أثق بأهلي.. فنحن أهل البيت الأدرى بهمومه ولن ندع الأمر يطول.. إنها كوابيس آن أن نفيق منها ملتحمين متحدين لنصرة بيتنا ولطرد العدو الغاصب منها.. وفي النهاية نحن من سيهنأ.. ولن نتقاسم حياتنا مع الفئران..

عامكم تضامن ومحبة وسلام..

21