في تدوير الزوايا

السبت 2013/09/14

في مصر وفي سوريا كما في تونس وغيرها من بلاد العرب، صنع الاستقطاب السياسي الحاد حالة فريدة في قراءة الأوضاع. التفاعل مع ما يستجدّ أفرزَ ضربا من الاصطفاف المقيت إلى معسكر أو نقيضه، وهو ما كرّس هوة سحيقة بين الرؤى، وغيّب الخطّ الثالث وبدّدَ إمكان التنسيب.

في مصر مثلا؛ ومنذ لحظة السيسي التي أعلن خلالها عن نهاية عهد الإخوان بدا أن الساحة تتجه إما إلى معسكر الإخوان أو إلى معسكر يرحّبُ بعودة العسكر. لكن الثابت أن مصر لا تضمّ فقط من يدافع عن شرعية الإخوان أو من يسعد بعودة العسكر، وإن كان تدخله بمثابة «عملية جراحية» كانت ترمي إلى إنقاذ البلاد أو ما تبقى من هيبة دولة. الثابت أيضا أن مصر بتاريخها السياسي، ونسيجها المدني والأهلي تضمّ خطا ثالثا لا ينتمي إلى هذا أو ذاك، خطّ يقدم بدائل تقطع مع هرولة الإخوان لتحقيق تمكينهم المشتهى، ويوفر رؤى لا تنتمي إلى إرث عسكر حكموا مصر طويلا، وبرعوا بدورهم في ترسيم البلاد في مصاف الدول المتخلفة.

ألا يمكن اعتبار أن تنسيب الأحكام والقراءات يقتضي ضرورة القول بأن حكم الإخوان لم يفد ولن يفيد مصر، ولكن حكم العسكر أيضا لن يحقق لها الرخاء العميم؟ هل أن قدر مصر أن تكون إما تحت حكم إخواني يستقي مبادئ حكمه من زمن سحيق، أو في ظلّ نظام عسكري يطأ مصر بأحذيته الخشنة ويذوّبُ نسيجها السياسي المدني؟ ألا تستحق مصر حكما مدنيا حديثا ديمقراطيا لا ينتمي إلى هذا أو ذاك؟

في سوريا يسود مشهد شبيه وإن بأكثر سريالية وسوادا وتعقيدا، حيث انطلقت ثورة شعبية سلمية من شوارع درعا، ثم تحولت إلى نزاع مسلّح أشبه بحرب «الكل ضدّ الكل» على أرض سوريا، وحيث تصول التيارات التكفيرية وتجول. كل القوى الإقليمية وصلت مدججة بأعتى عتادها إلى سوريا. التطور المترتب عن جريمة الغوطة أدى إلى تحوّل التدخل العسكري الخارجي إلى احتمال وارد الحدوث في أية لحظة (بصرف النظر عن مبادرات تفادي الاحتمال أو تعزيزه وكلها مبادرات ترتب المصالح قبل سوريا).

الضربة العسكرية المزمع تنفيذها أنتجت حالة جديدة من الاصطفاف المقيت (مرة أخرى وفي نسخة سورية) بين معسكر يدافع عن نظام برع في قتل شعبه، وبين آخر يتمنى أن تحصل الضربة الآن وبأقصى نجاعة ممكنة. وتلاشى صوت أو أصوات أخرى تعارض الأول ولا تعتقد في الثاني، وغاب التنسيب أيضا في سوريا مثلما تضاءل في مصر. ألا يمكن تخيّل وجود فريق يعارض النظام السوري ويؤمن بثورة شعب، لكنه مع ذلك يعارض التدخل العسكري الأميركي لما يمكن أن يحدثه من وبال على البلاد والمنطقة. وفي البال طبعا مثل العراق حيث أعادت «ديمقراطية أميركية»- معلّبة وجاهزة للاستعمال الحيني- العراق إلى عصر ما قبل النفط. وهل أن المعارضة للنظام الأسدي لا تتحقق إلا بالتهليل للتدخل الأميركي؟

في تونس وضع لا يشذّ عن المثالين السابقين مع اختلاف الخصوصيات وفارق التوقيت السياسي.

الاصطفاف بلغ مداه بين «اليمين» و«اليمين»، ولاشك أنها حالة تونسية مخصوصة، حيث تكثفت لقاءات قادة حركة النهضة الإسلامية مع نظرائهم من حركة نداء تونس، بعد فترة طويلة من تبادل إطلاق النار إعلاميا وسياسيا. أما عن الأحزاب والفصائل والتيارات السياسية فلم تخرج بعدُ من شكل معارضة بن علي (الاحتجاج واللجوء إن اقتضى الأمر إلى السريّة).

في هذا الصدد كتب تونسيّ سؤالا حارقا؛ هل أن معارضتي لحكم النهضة الإسلامية تدفعني إلى الارتماء في أحضان حركة نداء تونس؟ وهل أن اختلافي التاريخي مع نداء تونس (بوصفه سليل الأحزاب الحاكمة السابقة) يجعلني مضطرا إلى التحالف مع النهضة؟ الثابتُ أن السؤال يختزل ما يسود تونس من حراك سياسي، ومختصره أن البلاد محتاجة بدورها إلى خطّ ثالث قويّ يقطع مع طروحات الحزب الإسلامي الذي يقود ائتلاف الحكم، ويقطع أيضا مع ما يروم نداء تونس وبقايا النظام القديم إرساءه من إعادة إنتاج للمنظومات القديمة.

يبدو أن البلاد العربية برمتها تعيش الاصطفاف المقيت الذي أشرنا إليه، وتبعا لذلك تفتقد «التنسيب» بكل ما يعنيه من استعداد لتقبّل وإنتاج تصورات تخالف السائد.

غياب التنسيب ينعكس أيضا في غياب خط ثالث (سياسي وثقافي وفكري) يضطلع بدوره، ويقف وسطا بين غلوّ وآخر. البلاد العربية بأسرها تحتاج الآن إلى ثقافة «تدوير الزوايا» وإلى فكر يراعي النجاعة قبل المصالح والإيديولوجيات، ويقدم الوطن على التيارات والأحزاب، ويبني أكثر مما يعلنُ عن انتمائه، ويسبّق الواقع على مثاليات الأفكار.


صحفي تونسي

9