في تركيا ينبغي محاكمة الانقلابيين وليس معارضي الانقلاب

انزلاق القضاء في مستنقع الانحياز وإصدار الأحكام على المجمل بسبب وجود نية مسبقة ورغبة في تصفية الحسابات تسبب في ظلم العديد من الناس والحكم عليهم دون وجه حق.
الأحد 2018/04/08
العدالة هي أساس الدولة، وليست السياسة

لأول مرة تُرتكب في تركيا جريمة انقلاب “مشهودة”، وتجري المحاكمة عليها. وإن كانت تركيا ترغب في توفير الاهتمام الذي تستحقه عالميا هذه المحاكمات المحقة، فيجب عليها أن تتوقف فورا عن اتهام من لا علاقة لهم بالانقلاب من الكُتّاب والسياسيين والمعارضة وغيرهم من المواطنين.

لقد شهدت تركيا محاولة انقلاب عسكري في 15 يوليو 2016. فهل كانت محاولة الانقلاب هذه معروفة سلفا، وهل كان يمكن منعها، وهل كان يتسنَّى قمعها وإخمادها بأقل الخسائر لو كانت صدرت بعض التعليمات والأوامر في وقتها؟

هذه الأسئلة وهناك الكثير غيرها أيضا سيجيب عنه القضاء وربما التاريخ بشكل أوسع وأشمل. ثمة حقيقة ملموسة على أرض الواقع؛ وهي أن تركيا شهدت في 15 يوليو 2016 محاولة انقلاب بؤرتها الجيش!

لم تستطع أعلى قيادة في القوات المسلحة أن تتخذ أي تدبير وقائي خلال هذه المحاولة الانقلابية. لقد أمكن التصدي لهذه المحاولة الانقلابية بفضل عزيمة وإصرار قادة من الجيش في المستوى الثاني، والموقف العام للجيش والسياسة المعتمدة كليّا على الديمقراطية ومقاومة مواطنينا.

لقد فقد المئات من الأتراك الأبرياء أراوحهم في الأحداث التي وقعت في تلك الليلة المشؤومة. والآن يخضع للمُحاكمة قادة هذا الانقلاب والضالعون فيه، وقد تلطخت أيديهم وأعينهم بدماء الأبرياء.

فهل كانت هذه المحاولة من تدبير مجموعة انقلابية داخل الجيش كما شاهدنا ورأينا في الانقلابات السابقة؟ وهل كانت هذه المجموعة الانقلابية نتاج تعصب ديني سحق تحت أقدامه تقاليد القوات المسلحة التركية البالغة 100 عام وقامت بانتهاكها؟ أم أنه كان تحالفا تشكَّل -مثل خلية الوحدة القومية في انقلاب 27 مايو 1960- بسبب دوافع مختلفة لفصائل عديدة؟

نأمل ونرجو أن تكشف المحاكمة، ولو بقدر ما، عن هذه الأمور وتحكم على المسؤولين عن هذه المحاولة الدامية بالعقوبات التي يستحقونها. هذه المحاكمة هي الأولى من نوعها التي تُحاكم فيها محاولة انقلاب عسكري ضبطت “متلبسة” في تاريخ الجمهورية التركية. والاستثناء الوحيد في هذا هو محاكمة العقيد طلعت آيدمير ورفاقه عقب محاولة الانقلاب الثانية التي حدثت في 20-21 مايو 1963.

المئات من الأتراك الأبرياء فقدوا أراوحهم في الأحداث التي وقعت في تلك الليلة المشؤومة. والآن يخضع للمُحاكمة قادة هذا الانقلاب والضالعون فيه، وقد تلطخت أيديهم وأعينهم بدماء الأبرياء

وبخلاف هذا لم تكن هناك أي نية ولا مبادرة لمحاكمة منفذي انقلاب 27 مايو وانقلاب 12 مارس؛ فمحاكمة الضالعين في انقلاب 12 سبتمبر لم تُطرح إلا بعد استفتاء عام 2010، ومحاكمة أعضاء الطغمة العسكرية السرية مؤخرا، والذين بلغت أعمارهم الــ90، تحولت إلى “كوميديا إلهية” بمعنى ما.

وبهذا المعنى كانت قضايا المشاركين في محاولة الانقلاب التي حدثت في 15 يوليو 2016 هي الأولى في تاريخ الجمهورية التركية.

وقبل أن تتحول هذه القضايا كلها إلى عملية لاستنزاف وإضعاف القوات المسلحة التركية، وقبل أن تترك الفرصة لاتخاذها وسيلة للمشاحنات وتصفية الحسابات داخليا، فإنه ينبغي احترام كرامة الأفراد وحقهم في الدفاع عن أنفسهم، وإنهاء تلك القضايا بشكل عادل ومشروع، وهو ما يُعتبرُ امتحانا مهمّا لقياس مدى نضج مجتمعنا.

إن تذكّر الأضرار التي لحقت بدولتنا وبمسيرتنا الديمقراطية من تلك المحاكمات “الصورية” التي أُجريت لانقلاب 27 مايو في جزيرة ياصِّي من خلال إصدارها أحكاما سياسية ومسبقة على سياسييِّ إحدى مراحل الجمهورية لَيُمَثِّلُ تبريرا منطقيا لما نلفت إليه الانتباه في هذا الشأن.

وثمة حقيقة أخرى تُم رصدها خلال مرحلة كل انقلاب (أو محاولة انقلابية) وقع في تركيا -هذه الحقيقة- تدعو إلى أخذ العبرة والاستفادة منها؛ وتتمثل في أن الاتهامات الموجهة إلى الأفراد في مثل تلك المراحل تتحول إلى تصفية حسابات سياسية بدلا من أن تقتصر على ادعاءات ملموسة وواقعية.

بسبب مثل تلك الخصومات السياسية وقع العديد من رجال العلم والفن والفكر ضحايا في كل المراحل بسبب كلامهم وكتاباتهم التي تقلق بعض الأوساط والدوائر. وهناك العديد من الأمثلة على ذلك من بينها الــ147 الذين طُردوا من الجامعات في انقلاب 27 مايو، والــ1402 الذين فُصلوا في انقلاب 12 سبتمبر، والعديد ممن راحوا ضحايا لتشريعات في قوة القانون صدرت في تلك الفترة. وقد وقع العديد من الضحايا مثل ذلك في انقلاب 28 فبراير.

إن ما جعل من محاكمات منظمة أرغنه قون وما بعدها تمثل مأزقا يتعذر الخروج منه هو انزلاق القضاء في مستنقع الانحياز وإصدار الأحكام على المجمل بسبب وجود نية مسبقة ورغبة في تصفية الحسابات هكذا، وهو ما تسبب في ظلم العديد من الناس والحكم عليهم دون وجه حقٍ.

هناك العديد من الشخصيات المشهورة تم اعتقالها في الأيام الأولى التالية لمحاولة الانقلاب، وتم ذلك بالجملة نتيجة ردود الفعل المعارضة لمحاولة الانقلاب، وبين من قُبِضَ عليهم لاحقا أيضا قد ثبت أنه لا علاقة لهم بالانقلاب، لا من قريب ولا من بعيد.

بعض هؤلاء كانوا قد دخلوا في جدال ونقاش مع أوساطهم بسبب مواقفهم الراديكالية تجاه الانقلاب والسيطرة العسكرية في مراحل سابقة، ولهذا السبب فقد تعرضوا للنقد والاتهام بموالاتهم للحكومة.

لا أعرف بماذا يُتهم أي واحد من الصحافيين المعتقلين والخاضعين للمحاكمة؛ ومعظمهم أيضا لا يعرفون ذلك. ولهذا السبب فليسامحني من لم أستطع كتابة أسمائهم، فإنني أكتب أسماء أول من تبادروا إلى ذهني ومن أعرفهم على سبيل المثال فحسب.

إن ما جعل من محاكمات منظمة أرغنه قون وما بعدها تمثل مأزقا يتعذر الخروج منه هو انزلاق القضاء في مستنقع الانحياز وإصدار الأحكام على المجمل بسبب وجود نية مسبقة ورغبة في تصفية الحسابات

هناك أيضا بعض المعتقلين السياسيين هكذا، حيث يُعتقل البرلمانيون المعروفون برغبتهم في حل المشكلات والقضايا في إطار الديمقراطية مثل: صلاح الدين دميرطاش وإدريس بالوكان؛ فأي مشكلة مستفحلة في هذا البلاد لدرجة الغرغرينا يمكن المساهمة في حلها حينئذ في مثل هذا المناخ؟

ربما لا تشاركون هؤلاء الناس الرأي، بل وربما أنكم تعارضونهم تمام المعارضة، غير أنه لا أحد يستطيع التحدث عن الديمقراطية في بلد يُعاقب فيه الفكر ويُسجن. إن المعارضة والتفكير على نحو مختلف أو مناقض للسلطة والاعتراض عليها وانتقادها لا يمكن أن تعتبر جريمة في دولة قانونية.

إن اعتبرتم تلك الأمور جريمة فقد أصبحتم دولة غير قانونية، وحينها تجدون صعوبة في إقناع العالم بمطالبكم وقراراتكم المشروعة تماما، ولا تستطيعون فعل ذلك.

مثل هذه النوعية من القضايا والمحاكمات والاعتقالات، ولا سيّما العقوبات، تجعل من محاكمات الانقلابين المتلبسين بالجريمة لأول مرة في تركيا تأتي في المرتبة الثانية في نظر الرأي العام. بينما المناقشات المنطقية والمحقة المتعلقة بقضايا المثقفين والسياسيين تضفي بظلالها على العملية القضائية تماما.

ولذلك فإن هناك حاجة ماسة وأولوية تشعر بها بلادنا أيضا تتمثل في إخلاء سبيل المعارضين الذين يستحيل أن تكون لهم أي علاقة بالانقلاب، وانتشال تركيا من مستنقع البلاد التي تُجرّم الفكر وتحجر عليه.

آمل أن تقوم العدالة قبل السياسة بمراعاة هذه الحقائق. وما ذلك إلا لأن العدالة هي أساس الدولة، وليست السياسة!

عن موقع أحوال تركية

4