"في تسعين درجة" مسرحية ترصد تحول المتعة إلى مرض

لا يخلو المسرح الفرنسي من محاولات جادة للوقوف على الأدواء الحادة التي تنهش جسد المجتمع، وتظل طي الكتمان كأن إثارتها من التابوهات المحظورة، كذلك الشأن مع إدمان النساء على شرب الخمر، الذي تتناوله الكاتبة والمخرجة الفرنسية فريديريك كيداريدوفيزم “في تسعين درجة”، وهي مسرحية تعرض الآن بمسرح “بلفيل” بالعاصمة الفرنسية باريس، قبل انتقالها إلى مهرجان أفينيون في يوليو القادم.
الاثنين 2017/06/19
خفة الأداء في مواجهة المأساة

" في تسعين درجة " نص مسرحي ثيمته الأولى إدمان النساء على شرب الخمر، وجرائر ذلك الإدمان على صاحبته، ثم على أسرتها ومحيطها، ثم المعاناة الكبرى التي تعيشها المدمنة وهي تحاول ما وسعتها الحيلة أن تتمرد على وضعها، فتقلع عن الشرب، وتتبع حمية مع أحد المتخصصين.

وعندما تحس أنها شارفت على الخلاص مما هي فيه، تنهار ويعاودها الانتكاس، فترتد إلى نقطة الصفر، ثم تعيد الكَرّة، فتُمنى من جديد بالخيبة، وهكذا دواليك. و”تسعون درجة” هو الاسم الذي يطلق على كحول يستعمل كوقود، وهو سام لاحتوائه على نسبة من الميثانول تتراوح بين 5 و10 بالمئة، ولا يباع إلاّ في الصيدليات.

والمعروف أن المدمنين يقبلون عليه اضطرارا، في غياب المال اللازم، فيضيفون إليه الكوكا أو أي مادة أخرى لتلطيف طعمه، أو يجرعونه كما هو، وفي ذلك خطر كبير، لأن شاربه يكون عرضة لفقدان البصر، وتلف الكلى، واختلال المدارك، فضلا عن الموت.

ورغم فظاظة الموضوع، اختارت الكاتبة والمخرجة الفرنسية فريديريك كيداريدوفيزم أن تتناوله في مسرحية حملت عنوان “في تسعين درجة”، لتعرف كيف يعيش به المدمن ومَن حوله، وكيف يستطيع أن يتستر عليه، أو يتجنب الحديث فيه، لا سيما أن إدمان النساء لشتى أنواع المواد ليس من المواضيع الأثيرة لدى الفرنسيين، باستثناء بعض البرامج الخاصة، أو البحوث الميدانية، في علمي النفس والاجتماع بخاصة، رغم أن الواقع يطفح بالمدمنين، وبالمشاكل الحافة بهم، مشاكل ليس أقلها التفكك الأسري جراء سوء سلوك الأب أو الأم.

بطلة المسرحية فاض بها الألم والقهر والعجز عن الخروج مما كانت تحسبه مجرد متعة، فرامت سرد حكايتها لعلها تشفى

وتقول الكاتبة “من خلال الحديث عن الإدمان، نستطيع أن نتحدث عن العالم الذي يحيط بنا، والذي نتأقلم معه إن قليلا أو كثيرا، أو لا نتأقلم بالمرة، نبني أنفسنا، أو نحاول بناءها، ونبحث عن مكان لنا تحت الشمس فنجده أو لا نجد إلاّ فسحة ضيقة.. المهم أن الإدمان، وإن كان هنا يخص الخمر، يمكن أن يشمل أيضا مجالات أخرى، كالمخدرات بطبيعة الحال، ولكن الجنس أيضا، والحب، والقمار، واللعب، والإنترنت.. فالمسار نفسه تقريبا في شتى المجالات”.

وتضيف كيداريدوفيزم “نبحث عن المتعة أو النسيان، فتختطفنا قوة لا تقاوم، أو قلّ من يجد القوة لمقاومتها، فتستحوذ علينا، ويتحول معها النسيان، وكذا المتعة، إلى مرض، داء يجتثنا من أنفسنا، فيهجرنا الخيار، ونغدو مسيرين، لا مخيّرين”.

وفي هذا النص، يصيب الداء امرأة، ذلك التابو الذي يُعدّ قويّا ونفاذا، فالمرأة هي الأم، وهي ضامنة الحب وركيزة الأسرة، وعماد المجتمع، ولا يمكن أن يختل توازنها، دون أن يختل البناء كله، وربما ينهار، لذلك، إذا ما أصابها مكروه، حاولت التستر عليه قدر جهدها، تحمله طي الضلوع كجرح لا يندمل، دون أن تُظهره لأحد، ولكن إذا ما جاوز حدّه، تعذر إخفاؤه.

وتلك حال البطلة مارت في هذه المسرحية، فقد فاض بها الألم والقهر والعجز عن الخروج مما كانت تحسبه مجرد متعة، فإذا هو يسجنها بين براثنه، ورامت أن تسرد حكايتها، في رسالة وداع موجه إلى كريستوف، شريك حياتها وأبي أطفالها، رسالة ترويها في شكل مونولوغ، تتعرى خلاله لتروي آمالها وخيباتها، انتصاراتها وانكساراتها، وتحاول أن تصف ما يضطرم بداخلها.

تتوجه إلى رجل يعيش معها، ويتألم لألمها دون أن يستطيع ثنيها عما دأبت عليه، وتنعكس آثار ما تعيشه أم أطفاله على حياته، فإذا هي أيضا مضطربة، هشة، موتورة، ورغم ذلك، تبقي الكاتبة على بصيص من نور، وخيط يلوح كحبل نجاة، لتوحي بأن الأمل في حياة أفضل ممكن، ولا ينبغي أن نيأس من بلوغه.

وتنهض بدور البطولة إليزابيت مازيف، وهي ممثلة فرنسية من أصل بلغاري، تعاملت مع عدة مخرجين أمثال فرنسوا رانسياك، وجان لوك لاغارس، وجان بيير فانسان، وبرنار سوبل وجورجو بربيريوكورسيتي إلى جانب صديقها أوليفيي بي، وتقمصت أدوارا هامة في مسرحيات كبار الممثلين أمثال كورناي وموليير ويونسكو وغولدونيوكافكا. واستطاعت الممثلة الفرنسية أن تضفي على البطلة مسحة إنسانية عميقة، لا تخلو من طرافة، فهي شخصية معقدة، في النص خفة في مواجه المأساة، وروح مرحة سعت مازيف من خلالها إلى منح البطلة نوعا من الحساسية والشعور المرهف في مواجهة مأساة خام.

وتقول مارت في المسرحية “كنت أريد أن أبلغ ضالتي، أن أملك نفسي وأجد لي مكانا بين الناس، لم أكن أريد الإساءة إليك، لم أكن أريد، ثم أي نعم، ثم أي نعم أردتُ أن تموت، أجل، كنت أريد أن نمضي معا إلى الموت، مثل روميو وجولييت، ولكننا لسنا إزاء روميو وجولييت هنا، نحن إزاء مارت وكريستوف، مارت وكريستوف وقد وُضعا في قارورة، لمن يملكها!”.

16