في تمايزات المعسكر الذي يحارب "داعش"

السبت 2014/01/11

في أشد مراحل الثورة السورية صعوبة، حيث المعارضة المسلحة تعاني من الانقسامات وتضارب مصالح الداعمين، وتخوض حربا طاحنة مع نظام أعاد تجميع قواه، مستعينا بالمليشيات الطائفية الخارجية. وحيث تنامى نفوذ تنظيم القاعدة، ودمّر سلوكه وخطابه الصورة الوطنية للثورة. في هذه المرحلة المعقدة بدأت المعارضة المسلحة حربا شبه مفتوحة على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”.

ونقول شبه مفتوحة، بسبب تباين الحماس والاندفاع تجاه الحرب، في صفوف الكتائب المقاتلة، وذلك تبعا لداعميها وهويتها وخطابها، بعد أن بات القسم الأكبر منها ينتمي إلى الدائرة الأوسع من الأيديولوجيا السلفية.

وتخوض المعركة ضد “داعش” مجموعة من الكتائب العسكرية ضعيفة التنوع على مستوى الخطاب، إذ تشترك جميعا في الخطاب الديني الذي ينحى نحو الأصولية. ينطبق ذلك بصورة واضحة جدا على جبهة النصرة، الفرع الثاني لتنظيم القاعدة في سوريا، والتي تشترك مع “داعش” في كل تفاصيل الخطاب ولا تختلف عنها إلا بتكتيكات الممارسة.

كما ينطبق ذلك على كل تشكيلات الجبهة الإسلامية، ربما باستثناء لواء التوحيد الذي يتبنى خطابا إسلاميا تقليديا معتدلا. لكن الجبهة الإسلامية مكونة أيضا من حركة أحرار الشام وصقور الشام وأنصار الشام وجيش الإسلام وهي الأعمدة الكبرى في الجبهة. يقل في هذه التشكيلات حضور علم الثورة السورية، وتحضر الرايات السوداء والبيضاء، ويشترك منتموها في تعريف أنفسهم دون مواربة بأنهم جماعات “جهادية مقاتلة”، كما يجاهرون باتباعهم المنهج السلفي من الشريعة، ويفيض خطابهم اليومي وبياناتهم بايدولوجيا أصولية تصور الصراع على أنه بين السنة والشيعة. ذلك يختلف بشدة عن الخطاب الديني الإسلامي الواسع والعام الذي انتشر في بداية العمل المسلح ولا تزال معظم كتائب الجيش الحر تتبناه إلى اليوم.

غير أن الفروقات تبقى موجودة، ومن الخطأ تجاهلها تماما، بين فرعي تنظيم القاعدة (داعش والنصرة) من جهة، والجبهة الإسلامية وكتائب الجيش الحر من جهة أخرى.

تتميز جبهة النصرة وداعش بتبني الجهاد العالمي، واعتناق الخطاب الطائفي الصريح، واستسهال التكفير والحرب على النشطاء، وإخضاع المدنيين في المناطق المحررة إلى نمط حياتي ودعوي أصولي. يرفض التنظيمان الدعم من أي نظام عربي أو غربي، والتعاون حتى مع أفراد غربيين، وهو ما جعلهما يقابلان الصحفيين الأجانب بالاعتقال والقتل. كما يقومان، بصورة منتظمة، بتفجيرات انتحارية كبيرة في مناطق المدنيين. الأهم من كل ذلك هو الاعتماد على الجهاديين العرب، وهؤلاء شديدو الجهل بالجغرافيا والمجتمع السوريين، ويتعاملون مع السكان كمحتلين، ما سبب ردود فعل كبيرة تجاههم. هذا فضلاً عن أن أعدادا كبيرة منهم، خصوصا في الفترة الأخيرة مع التجنيد الواسع النطاق الذي اتبعه تنظيم القاعدة في سوريا، لا خبرة قتالية حقيقة لديهم. يؤكد ذلك، وبعكس ما يشاع عن قوة التنظيم الأسطورية، كيف اندحرت “داعش” بسرعة فائقة من معظم المناطق السورية، بالإضافة إلى الصور الحديثة التي تؤكد تجنيد الأطفال تحت سن 15 عاما في صفوف “داعش”.

تختلف المجموعات السلفية الأخرى، كالجبهة الإسلامية، في أنها ابتعدت عن خطاب الجهاد العالمي المرتبط بالقاعدة، وفي أنها تدرجت في تطرفها وأصولية خطابها، وهي لا تزال حتى اليوم تستقبل الإعلاميين الأجانب ومنفتحة على “الحراك السياسي الذي يدافع عن قضايا الشعب السوري العادلة” كما تورد في ميثاقها. لكنها تأثرت بصورة كبيرة بوجود تنظيم القاعدة، إذ رفع ذلك من منسوب الأصولية لديها في إطار الصراع على النفوذ داخل المكون العسكري للثورة. مع ذلك، فهي براغماتية إلى حد كبير، وقابلة بشدة لتغيير خطابها أو لتنحية الهدف المستجد لديها وهو قتال النظام لإقامة دولة إسلامية.

ويبقى المعيار الأهم في تمييز المجموعات عن بعضها البعض، هو البحث عن مدى تجذّر الفكر السلفي ومدى أصالته في تكوينها. هل أن الفكر السلفي هو ما أدى إلى نشوئها لتقاتل النظام كما هو الحال مع القاعدة؟ أم أنها انطلقت من رحم ثورة شعبية، وقد ارتدت ثوب السلفية نتيجة لطول أمد القتال وعنفه الشديد والبحث عن الداعمين؟.

وأخيرا فإن التمييز يبدو أسهل بالنسبة لكتائب الجيش الحر، خصوصا وأن معظمها لا يزال ينظر إلى الصراع على أنه مع نظام شمولي من أجل إقامة دولة ديمقراطية، وليس جهاد السنة ضد الشيعة والعلويين.

وبالعودة إلى الحرب على “داعش”، تبدو المجموعات السلفية التي لا تنتمي إلى القاعدة ولا تؤمن بالجهاد العالمي، المستفيد الأكبر. إذ تعززت مصداقيتها من خلال قتال “داعش”، ونزعت نحو التوحد أكثر وتنسيق الجهود بشكل فعال. لكنها نزعت كذلك نحو مزيد من التطرف، كسلاح إضافي في المعركة مع “داعش”، إذ تتنافس المجموعات على الأرض باستخدام صيغ أكثر تشددا للشريعة الإسلامية.

ذلك يكرس المنظور الأكثر أصولية للصراع، والذي حاولت داعش والنصرة تكريسه سابقا لكنهما اصطدمتا بجدار غربتهما التامة عن المجتمع المحلي والهواجس الكبيرة التي تحيط بهما لجهة أنهما عميلتان للنظام. وهذا ما لا يثقل كاهل المجموعات السلفية الأخرى كالجبهة الإسلامية التي باتت تعتبر العنصر الأبرز في المعارضة المسلحة التي تقاتل النظام.

كما انعكس التنافس في إبراز الخطاب الأصولي على الجيش الحر، ومنه جبهة ثوار سوريا التي ذاع صيتها حديثا بعد انخراطها الفعال والحيوي في المعركة مع “داعش”. إذ توجهت عبر بيان في خضم المعركة، إلى “الإخوة في الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ورحب البيان بهم في سوريا إن كانوا قد أتوا ليكونوا “يد واحدة ضد النصيرية”.

وعلى ذلك، يبدو من المبكر الاستنتاج بأن سرعة القضاء على “داعش” تثبت بأن الفكر السلفي، وكما باغت الثورة السورية وتسرب في خطابها حتى أمسكه وطغى عليه، فإنه سيزول بالسرعة ذاتها.

نحتاج إلى مزيد من الوقت لكي نعرف تماما ما إذا كانت التنظيمات السلفية ظاهرة مؤقتة وطارئة على الثورة، أم أنها ستحافظ على وجودها لفترة مديدة لاحقة. ذلك مع الإقرار بأن قسما كبيرا منها أطلق خطابا سلفيا من باب المزايدة والبراغماتية، وستتراجع عن ذلك حالما تتبدل الظروف على الأرض، وينحسر القتال العنيف الدموي، وتبدأ العملية السياسية.


* كاتب فلسطيني

9