في ثنائية النظام: الجوع أو الركوع

الخميس 2013/10/17

في فتوى ذات دلالة بالغة، أعلنها مشايخ من مخيم فلسطين في دمشق، المخيم المحاصر منذ ثلاثة أشهر، وأطلقت قبلها فتوى مشابهة في أحياء حمص المحاصرة منذ عام، نكتشف أن كافة المناطق المحاصرة تتعرض لحصار يتجاوز كافة حالات الحرب والسلم، حيث هناك في هاتين الحالتين، أوقات تسود فيها الهدن، ويتم خلالها توصيل المعونات الغذائية والطبية، وتكون نتيجة تداخلات دولية وحقوقية، أو معاهدات دولية.

في حالة مناطق الحصار السورية، لا شيء يشبه تلك الحالات، رغم أن التداخل الدولي كثيف جداً. وبالتالي فإن ما يحدث في سوريا خارج سياقات التاريخ البشري الوحشي.

الغريب الكارثي، أن الهيئات السياسية الفاعلية، الائتلاف الوطني وهيئة التنسيق بل وحتى الجيش الحر، لم تفعل شيئاً يذكر لهذه الغاية، وهي القادرة بسبب تشابكاتها الدولية والإقليمية، ليظهر لنا، مقدار تهافتها، وتبعيتها للأطراف الدولية. ففي أسوأ الظروف كان بمقدورهم إيقاف كل اتصالاتهم مع الأطراف الدولية والإقليمية، إيقافا كاملاً.

المناطق المحاصرة، تتعرض لمختلف أشكال الانتهاك، بدءاً من التجويع إلى التدمير إلى القتل، إلى مختلف إغلاق كل معالم الحياة البشرية العامة، وقد زاد الأمر على العام والنصف، وهذا يسري على مختلف مدن سوريا، وإن تركّز بصفة خاصة في حمص القديمة وفي المعظمية وداريا وحي فلسطين واليرموك؛ هذه البلدات والمدن، التي أبت نهائياً أن تعقد الصفقات مع النظام، وكانت بمثابة الشرارة الدائمة لتجدد الثورة.

يعلن النظام شعاره واضحاً ودون أي لبس فيه، إما الركوع وتسليم تلك البلدات والتعرض لمختلف أشكال الانتهاك والصمت عما لحق وسيلحق بهم، وتقديم فروض الطاعة، أو استمرار الحصار، مع كافة أشكال الحرمان والدمار والقتل. مما جرى ومنذ بداية الثورة، هناك وضوح كامل لدى أهل الثورة، بأنهم ومهما عانوا، ومهما لحقت بهم من كوارث، لن يتراجعوا، ولن يتوقفوا على مناهضة النظام حتى إسقاطه. النظام بدوره لا يقدم أية ضمانات أو محاولات لتجميل صورته، أو لتغيير رأي الناس به. إنه يسير بالطريق ذاته منذ بداية الثورة، أي طريق الأمن والجيش، وهو الطريق الذي لا يملك بديلاً عنه أبداً، وهو ما لم تفهمه المعارضة أبداً، وربما لا تريد ذلك بالأصل. ولو فهمته لعملت على رؤية وسياسات وبرامج مختلفة عما قامت به، والذي كان مرتبطا إما بالخيار الروسي وطريق الإصلاح، وإما بالخيار الأميركي، وخيار- وهم التدخل العسكري- علماً أن الروس والأميركان، لم يقولوا أبداً بما تتوهمه المعارضة عن مصالح تلك الامبرياليات في إمكانية التدخل المفترض.

باعتبار العاقل المؤمن أو المؤمن العاقل، لا يلدغ من الجحر مرتين، ولا يمد يده للقوى والدول ذاتها، فيقع على أطراف الثورة ولا أُشمل في تحليلي القوى الرئيسية المشار إليها أعلاه، ومهما تنوعت وتعددت، أن تفهم مصالح تلك الامبرياليات، والتي استبدلت تسليم الكيماوي، بأي ضغط فاعل على النظام بل وشكرته على تعاونه الوثيق، أقول: إن المعول الوحيد عليه، في وضع الثورة الحالي، هو الاهتمام بقواها الذاتية فقط، وإعادة رسم سياساتها ورؤاها وبرامجها، بما يسمح بدفع الثورة نحو الأمام وإجبار النظام على خطوات فعلية، نحو إحداث تغيير شامل في سورية، أي خلق نظام جديد.

نعم، وقائع الثورة عنيدة وقد أصبحت في غاية التعقيد والسلبية، ولكن رغم كل ذكرناه، فالنظام ضعيف، واعتماده الرئيسي على سلاح الجو والمدفعية، وعلى الدعم الروسي والإيراني، والمليشيات الطائفية المحلية والإقليمية. يضاف للتعقيد بروز الجهادية التي لا ترتبط أبداً بالثورة، بل تعتاش عليها، ولكن ورغم هذين الطرفين المتناقضين جزئياً والمتوحدين لجهة إما التخلص من الثورة أو اعتبارها أداة لمشروعهم القروسطي، فإن الشعب ومختلف قوى الثورة الممثلة لها قادرة وفي كامل أنحاء سوريا، على استعادة المبادرة والدور الثوري للشعب. حيث أن أوهام الأسلمة نُزعت تماماً وأوهام التدخل العسكري سقطت كلية، وبالتالي الجهة الوحيدة التي لها مصلحة بالثورة الشعبية هي الشعب ذاته. محاولاته في أغلب مناطق سوريا، للعودة ولخوض صراعه الثوري، يواجه بقتل من قبل داعش والنصرة وما يشبههما ومن قبل النظام. خياره ذلك أصبح ضرورة وجودية لاستمراريته، فإما أن يستعيد دوره أو يموت بأسلحة داعش أو النظام أو الحروب بين الحر وداعش، وداعش والنصرة والأكراد وهكذا.

جوع السوريين، يتعدى المحاصرين، فكافة السوريين جوعى. فهم بلا دخل فعلي، ومدخراتهم استهلكت تماماً أو تتراجع باطراد، وفصل الشتاء بدأ، ومجريات جنيف يشوبها الكثير من التعقيدات؛ فالجهادية ترفضه وكذلك الإخوان وإعلان دمشق، وقوى تابعة لها، وبين همجية النظام وتلك القوى، يأتي الشتاء ويموت الناس عبر الحصار والجوع. يضاف إلى ذلك قضية المعتقلين وهي كارثية، حيث لا توجد أية معلومات عنهم، سوى توسع المقابر التي ينقل إليها المعتقلين المستشهدين. وسنفرد لها مقالا خاصا.

كافة مناطق الثورة هي مناطق حصار، ولكن منها ما وصل الحصار به لحدود الموت، كما حمص والمعظمية ومخيم اليرموك وفلسطين؛ وبقية مناطق سوريا كذلك، – باستثناء أحياء الأثرياء؛ شركاء النظام في القتل والنهب والفساد- تعاني الموت.

فتوى مخيم فلسطين واليرموك، تضيف برسالة واضحة لأثرياء سوريا والعرب والمسلمين ولدول العالم: «فليدفن العالم المتمدّن نفسَه في مزابلِ حضارتِه الزائفة، وليبصق المُتخَمونَ من أبناءِ أمَّتنا على شرفِهم وكرامتِهِم وكروشِهم المُتدَلّيةِ بكلِّ وقاحةٍ وصفاقةٍ أمامَ جوعِ المحاصَرينَ في مخيَّم اليرموك»، وهي الجملة التي يتم إسقاطها في الإعلام، لتتكرس فقط مسؤولية النظام، عن هذه المأساة، بينما ورغم أنه المسؤول الأول عنها وعن كل مآلات الثورة وسوريا، فإن كل دول العالم وأثريائه ومنظماته، تتحمل كامل المسؤولية عن موت البشر المجاني؛ فأهالي مخيم اليرموك وفلسطين وحمص، ليسوا مسلحين ولا قتلة ولا ثوريين، هم أناس فقراء، حوصرت مناطقهم، فأصبحوا يموتون لشدّة الحصار والجوع؛ وهنا تكمن المسؤولية.

هل من حل لمشكلات الناس، والشتاء قد أتى. لا أظن أبداً ذلك، وليتحمل فعلاً أصحاب الكروش والعالم المتمدن مسؤوليته، ما دام النظام مستمراً فيما يقوم به، والمعارضة ستعلن رحمتها على الموتى بنعوات حقيقية، وبتوقيع رسمي من هيئاتها السياسية. ولكن وبعيداً عن ذلك، وسواء تحقق أم لم يتحقق، فمسار الناس هو الجوع لا الركوع كما يبدو. أي الاستمرار بالثورة، وبالتالي إسقاط كل من عقّد مشكلات الثورة، وإسقاط النظام كذلك.

كاتب سوري

8