في جدوى المحو

الأربعاء 2017/12/06

في الكتابة يعسر التراجع، فما كتب ونشر، يتحول إلى دليل وشهادة، وعلامة في مسار، يجري الحديث عادة عن أعمال لا يرضى عنها روائيون وشعراء ومسرحيون ونقاد، يتمنى عدد منهم لو كانت ثمة إمكانية لسحبها من الرصيد الشخصي، ومحوها من الذاكرة، لهذا غالبا ما تتحايل الطبعات المزيدة والمنقحة للأعمال الأدبية والفكرية على سلسلة التراجعات والمراجعات، التي قد تبدأ بالعنوان ولا تنتهي بالفصول.

لقد أهمل محمود درويش إثبات قصيدة “خطاب الديكتاتور العربي” ضمن أحد دواوينه واعتبرها نصا شفاهيا، مثلما تراجع محمد شكري عن عنوان “الشطار” واستبدله بـ”زمن الأخطاء”، بل إن هايدغر حين أعاد نشر كتابه “الوجود والزمان” حذف الإهداء الذي كتبه بعناية للفيلسوف هوسرل.

ويمكن أن نحصي عشرات الأمثلة التي تعرضت لإسقاط فقرات وفصول، والاستغناء عن ملاحق وصور ورسومات، وعناوين، وإهداءات، مع تنقيح ومحو مطرد، ولعل رواية الروسي ميخائيل بولغاكوف “المعلم ومارغاريتا” أشهر مثال على التراجع وإعادة النظر في الحصيلة المكتوبة، حيث تمت إعادة صياغتها كاملة ثلاث مرات، قبل أن تنشر مسلسلة في مجلة موسكو الأدبية، وقد بتر منها الناشر مرة أخرى عددا من الفقرات، قبل أن تصدر في كتاب في سبعينات القرن الماضي.

طبعا تحالفت عوامل الارتياب المتوالد، وعدم الاقتناع، والنقد الذاتي، ومقص الرقيب السياسي، والتردد، في مسار الرواية الحافل بالمحو، لكن في النهاية تحصّل القارئ على تحفة روائية هي من علامات الأدب الروسي. وفي هذا السياق تحديدا يبدو المحو قرين النضج والوعي النقدي، على النقيض من الزيادة، التي لا يمكن استيعابها في أي عمل إبداعي، بيد أنه يتمثل أحيانا بوصفه تراجعا عن أسلوب وفكرة وصيغة، ولعل التجربة التي أعادت دار الشروق المصرية فيها طباعة رواية “عبث الأقدار” لنجيب محفوظ بعنوان “عجائب الأقدار”، متصرفة في الأسلوب والصور والتفاصيل السردية، بدعوى تحويلها لنص تعليمي، نموذج على محو عبثي يطول الهوية النصية.

يمثل المحو بقوة في الآونة الأخيرة بما هو طاقة بنائية بالنظر إلى رصيد النصوص التي تقذف بها المطابع يوميا في المشهد الثقافي العربي، وكأنما في سباق مع الزمن لاستهلاك الحبر والورق، تبدو نماذج لا حصر لها بادية التسرع، واللهفة إلى الضوء، خلوا من أي إيحاء بالمراجعة أو المحو، دواوين شعرية بأخطاء في اللغة والإملاء، وروايات ومسرحيات بارتباك ظاهر في البناء، ورسم الشخصيات، والفضاءات، وما لا يحصى من الأعمال النقدية والفكرية المرتبكة الصياغة، الضاجة بالإحالات والهوامش الخاطئة، في زمن يكفي فيه النقر على زر للمحو والتراجع، دونما حاجة لتمزيق مخطوطات، وإعدام مسودات كاملة.

كاتب مغربي

15