في جذور العنف العابر للهويات

الأحد 2016/12/04
لوحة: ياسر صافي

لا يمكن تصور العنف مفصولا عن استخدام القوة لذلك يعرف الفيلسوف بلاندين كريغل العنف بأنه ” القوة غير السوية التي تمس بالسلامة الجسدية أو النفسية للفرد والتي ترمي إلى إلغاء إنسانيته بغرض السيطرة عليه أو تدميره”.

يظهر من هذا التعريف أن العنف لا ينحصر في الأذى الجسدي، بل يتجلّى أيضا في صورة الإضرار النفسي، وبأنه ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة ترمي إلى سيطرة إنسان على آخر أو القضاء عليه. العنف إذن ظاهرة بشرية، وهي ظاهرة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية.

وقد كانت القوة واستخداماتها واحدة من القضايا التي تمحور حولها الفكر اليوناني القديم، لا سيما عند السفسطائيين الذين جعلوا منها المصدر الطبيعي لكل الحقوق معتبرين الأخلاق والقوانين مجرّد حيلة ابتدعها الضعفاء لحرمان الأقوياء من الامتيازات الطبيعية المرتبطة بامتلاكهم القوة التي وهبتهم إياها الطبيعة. وهي الفكرة التي قال بها الفيلسوف نيتشه بعدهم. ومبدأ القوة والغلبة وما يرتبط بها من عنف ظاهرة ملازمة للتاريخ البشري، كما تدل على ذلك الحروب وتعاقب أنظمة اجتماعية تميزت دائما بوجود فئة مسيطرة وأخرى مسيطر عليها، يعني أنظمة اجتماعية قائمة على وجود طبقات يحكم بعضها بعضا وفق منطق السيطرة (النظام العبودي، النظام الإقطاعي، النظام الرأسمالي..).

وهذا ما يجعل من التاريخ البشري في بعد أساسي منه تاريخ الصراع بين الإنسان والإنسان، ذلك أن منطق القوة يؤدي إلى العنف وهذا الأخير يؤدي إلى عنف مضاد و إلى قوة مضادة. والمعروف أن الفيلسوف هوبز صاحب مقولة “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان” يجعل العنف ظاهرة طبيعية في الإنسان، مثل فرويد الذي يتحدث بهذا الصدد عن غريزة الهدم في الكائن البشري. وقد قال الفيلسوف الألماني هيغل ما معناه أن التاريخ لا يتقدم إلى الأمام من دون سحق الأزهار، أي من غير عنف.

إن أصحاب خطاب الخلاص الجماعي كثيرا ما يذهب بهم النبل المفترض لقضيتهم إلى ارتكاب مجازر معتقدين أنهم يقتلون في سبيل ما يعتبرونه الخير العام

ويمكن القول بأن من بين ما تأسست في سبيله المذاهب الفلسفية والأخلاق والديانات والقوانين هو الحد أو القضاء على القوة (الفردية، العسكرية، الاقتصادية أو الجماعية..) كسلطة تستمد شرعيتها من نفسها، أي من قدرتها على القهر والغلبة. ذلك أن جانبا كبيرا من الشرور والآلام والمظالم التي يعاني منها الإنسان والبشر عموما مردها إلى التفاوت في القوة بمعناها الواسع بين البشر، الأمر الذي يفتح المجال لتغوّل الإنسان على أخيه الإنسان.

ولأن الدولة في بعد أساسي منها تمثل أكبر قوة في المجتمع، وبالتالي أكبر سلطة، أي المبدأ المؤسس لانقسام الناس إلى حكام ومحكومين، فقد سعى الفكر البشري منذ القدم، وبالخصوص مع ظهور الفلسفة عند اليونان، إلى جعل هذه القوة الجبارة بما تملكه من جند ومال وسلطة تتصرف ليس بالرجوع إلى قوتها الذاتية بل وفق قوانين وتشريعات وقيم تعلو عليها وتخضع لها.

كذلك جاء الدين أيضا، على الأقل الدين الإسلامي، من أجل جعل سلطة الدولة تابعة لسلطة أكبر منها هي سلطة الله، تفاديا لتغوّلها وتجبّرها على البشر الواقعين تحت سلطانها. صحيح أن القوانين عبر التاريخ كثيرا ما يصنعها الأقوياء أو كثيرا ما تصنع لصالحهم، مثلما أن الديانات كثيرا ما تُختطف من طرف البشر وتحوّل إلى مصدر يشرّع البطش والقتل، بل نجد فلسفات تجعل القوة المصدر الطبيعي الأول للحقوق والامتيازات، كما فعلت مثلا فئة من الفلاسفة السفسطائيين عند اليونان، كما ذكرنا، أو كما فعل ميكيافيلي حين فصل السياسة عن الأخلاق.

واللغة التي كثيرا ما توصف بأنها أداة تواصل بين البشر، هي أيضا في الحقيقة أداة من أدوات العنف والفتك والحرب. ذلك أن اللغة تتيح رمزيا “إلغاء إنسانية” الإنسان من خلال ما توفره من قدرة على تحويل هذا الأخير إلى شيء آخر يمسخ آدميته بما يسوّغ قتله أو يشرعنه أو يبخسه، وذلك بواسطة أدوات لغوية كالتصوير والتشبيه والحط والشيطنة وغير ذلك. نتذكر بهذا الصدد صفة “الجرذان” التي أطلقها “زعيم” ليبيا السابق على المتظاهرين المطالبين برحيله، موضحا بأنه “سيبيدهم زنقة زنقة” باعتبار أنهم، بحكم تلك الصفة، ليسوا من البشر، حتى يتم توصيف القضاء عليهم بالجريمة أو نحو ذلك، فقتل هذه الكائنات الضارة لا يعدّ جريمة.

من هذا القبيل أيضا، وفي ظروف مشابهة، إطلاق عبارة “القضاء على الجراثيم” على عملية أمنية رامية إلى مواجهة المتظاهرين المطالبين بالإصلاح السياسي في بلد عربي آخر، فالأمر هنا كذلك لا يتعلق بمجرد تشبيه لغوي، بل هو تعبير عن صورة الضحية في ذهن الجلاد الذي هو من هذا النوع، أي المعروف باسم المستبدّ. إن الجلاد هنا، وهو في موقف المدافع عن مشروع جريمته، لا يواجه بشرا بل جراثيم، حسب اعتقاده.

التاريخ البشري هو أيضا تاريخ صراع الإنسان من أجل التحرر من مختلف أشكال الاضطهاد والقهر الناجمين عن مبدأ القوة كيفما كان شكله، سياسيا كان، أو دينيا، أو اقتصاديا أو غير ذلك

وتشبه هذه العملية اللغوية التحويلية عملية التسامي ذات الطابع التحليلي النفسي لدى فرويد، التي يتم من خلالها تحويل الرغبات اللاشعورية المنبوذة أخلاقيا واجتماعيا إلى صور تحظى بالقبول والتقدير. من هنا يظهر عدم شعور الجلاد، الذي هو من هذا القبيل، بأيّ شعور بالذنب.

إن نزع صفة الإنسان عن الضحية هو إذن مقدمة لنفي صفة الجريمة على قتله والقضاء عليه. لهذا نلاحظ أن المستعمِرين وصفوا الشعوب التي استعبدوها ودمروها بالمتوحشين، ليس بمعنى عدم التحضر، بل بما يعني أن هذه الشعوب حيوانات ضارة، وذلك من أجل نفي صفة الجريمة عن استعبادها أو القضاء عليها. فأول الجريمة السياسية أو العقائدية أو العنصرية لها دائما مظهر أو شكل لغوي، يتم من خلاله نزع صفة الإنسانية عن الضحية، أي تحويله بواسطة اللغة إلى حيوان أو نحوه، حتى لا ينطبق على القضاء عليه مفهوم الجريمة.

على أن التاريخ البشري هو أيضا تاريخ صراع الإنسان من أجل التحرر من مختلف أشكال الاضطهاد والقهر الناجمين عن مبدأ القوة كيفما كان شكله، سياسيا كان، أو دينيا، أو اقتصاديا أو غير ذلك. ولعل الفكر الاشتراكي والتجارب الاشتراكية التي عرفها الإنسان في القرن العشرين، ليست غير حلقة من هذه الحلقات المعبرة عن جهد البشرية المتواصل من أجل التأسيس لمجتمع إنساني لا يسود فيه قانون الغاب ولا استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. على أن خطاب الخلاص ومشاريع الخلاص والتحرر لا تخلو بدورها من عنف كثيرا ما كان مدمرا، كما أظهر التاريخ ذلك أكثر من مرة.

إن أصحاب خطاب الخلاص الجماعي كثيرا ما يذهب بهم النبل المفترض لقضيتهم إلى ارتكاب مجازر معتقدين أنهم يقتلون في سبيل ما يعتبرونه الخير العام. فالملايين من الفلاحين قتلوا من طرف ستالين في سبيل الاشتراكية قبل أن تسقط في الأخير بعد بضع عشرات السنين سقوط أوراق الخريف.

كما تذكر بعض الكتابات التاريخية بأن ماو تسي تونغ أيضا ضحّى بالملايين من الفلاحين في سبيل تحقيق حلم الاشتراكية، في بلد نهضت به الرأسمالية في نهاية المطاف. إن النبل المفترض لقضية لا يبرر استخدام وسائل لاإنسانية. كل قضية معرّضة لأن تبدو في نهاية الأمر قائمة على وهم. وعليه فإن نبل القضية يتأتى أيضا من نبل وسائل تحقيقها.

كاتب من الجزائر

14