في حاجة الديمقراطية إلى أفلاطون

الاثنين 2014/08/25

هل يجوز لنا أن نفترض بأنّ الديمقراطية قد تحتاج إلى فلسفة أفلاطون، إلى جمهورية أفلاطون، إلى أكاديمية أفلاطون، إلى شيء من أفلاطون؟ هل يجوز مثل هذا الفرض؟

لربّما يبدو هذا الادعاء مجانيا، طالما المشهور عن أفلاطون أنّه من أعداء الديمقراطية والمساواة. كيف لا وتلميذ سقراط- هذا الأخير الذي أُعدم باسم “الديمقراطية”- قد صنّف المجتمع الفاضل إلى ثلاث طبقات قارّة مستقرّة مثل طبقات الأرض، ثمّ حصر السلطة بيد نخبة النّخبة، الحكماء؟ بل، ربّما يكون مؤسس الفلسفة السياسية، أفلاطون، هو المرجع الأوّل لكل الأطروحات المناهضة للديمقراطية كما يرى الكثيرون.

قد يبدو الأمر كذلك، لكن لا ننسى أن الأمر يتعلق، في كل الأحوال، بمحض تأويل قد لا يصمد إلى الأبد حتى ولو صمد قروناً عدّة.

لا شكّ أن التأويل السائد في تاريخ الفلسفة السياسية لفلسفة أفلاطون هو التأويل الذي يجعله يبدو كأنه ملهم الحركات المعادية للديمقراطية، لكن ثمة دائماً أكثر من فرصة لتأويل مختلف. أليس تاريخ الأفكار هو تاريخ تأويل وإعادة تأويل للأفكار؟

ليس يخفى أنّ التأويل “الاستبدادي” لفلسفة أفلاطون هو التأويل الذي طغى على مدى عصور طويلة حتى كاد يكون التأويل الوحيد الممكن، لكننا نعلم اليوم بوجود تأويل آخر مغاير يمكننا أن نصطلح عليه بالتأويل الديمقراطي لأفلاطون، تأويل أبدع فيه فيلسوفان معاصران كبيران، رغم أنّ كل واحد منهما يقف على طرف النقيض من الآخر في قضايا العصر الراهن. وسنرى..

بكل تأكيد فإنّ القراءة السّائدة لأفلاطون في تاريخ الفلسفة السياسة هي القراءة التي تعتبره فيلسوفاً مناهضاً لقيم الديمقراطية والمساواة، رغم أنه فيلسوف العدالة بامتياز، وربما تبدو مدينته “الفاضلة” كأنها ألهمت الأنظمة الفاشية، وقد تبدو عقلانيته “المغلقة” بمثابة نقطة البداية التي انتهت في الأخير- ولو بعد قرون طويلة- إلى صعود كليانيات القرن العشرين، وعلى رأسها الكليانية الستالينية وفق تحليل كارل بوبر وآخرين. أكثر من هذا، كثيرون من اعتبروا أفلاطون رفيق الطريق للكهنوت المسيحي طيلة القرون الوسطى، من بين هؤلاء مشيل أنفراي على سبيل المثال. لكن، هل كان هذا التأويل منصفاً لفيلسوف العدالة؟

يعود الفضل إلى فيلسوفين يقفان سياسياً على طرفي النقيض، لكنّهما يتفقان معاً حول اقتراح تأويل جديد لأفلاطون، يحوله من عدو للديمقراطية، إلى خادم وسند لها. يتعلق الأمر بكل من الفيلسوف “اليميني” الأميركي ليو شتراوس، والفيلسوف “اليساري” الفرنسي آلان باديو. فماذا يقترحان؟

يؤكد صاحب أسطورة الكهف، أفلاطون، بأنّ السياسة وظيفة النّفس العاقلة. لذلك كان اعتقاده منذ البداية بأنّ الحكماء هم أحقّ النّاس بالحكم. والسؤال، أليس هذا الشّرط مدعاة لصعود أنظمة مستبدّة بدعوى أن الحكماء هم دائما أقلية؟ لكن، في المقابل، أليس من قبيل الشرط المعقول أن نطلب من صانع القرار السياسي أن يكون حكيما؟ وإذن كيف نحقق الشرط الأفلاطوني للحكم، أي الحكمة، أو ما يسمى بلغة العصر نفسها بالحكامة الجيدة أو الرشيدة، دون أن نفرّط في الديمقراطية؟

بهذا السؤال، ألا يبدو أننا نحتاج إلى شيء من أفلاطون؟

يفتح آلان باديو في كتابه ”جمهورية أفلاطون” إمكانية النظر إلى الشرط الأفلاطوني للحكم، الحكمة، والتي هي شرط ضروري ومعقول في كل الأحوال، باعتبارها قد تصبح فرصة لتعميق الديمقراطية بدل إلغائها، وذلك حين نساهم في رفع مستوى الشعب الذي هو صانع القرار في النظم الديمقراطية إلى أعلى قدر ممكن من المعرفة والحكمة والتفكير “المثالي” والمرتبط بالقيم الكونية. وإذا كان أفلاطون يدعو إلى حكم الفلاسفة، فالسبب كما يشرح ذلك باديو أن الفلاسفة يتميزون بالقدرة على التحرّر من المصالح الخاصة والأنانية الضيقة، وذلك هو الشرط الأساس للتفرّغ لتدبير المصلحة العامة في طابعها الكوني والمجرّد. بمعنى أننا نستطيع من وجهة نظر باديو أن نستنتج من الموقف الأفلاطوني فرصة لترسيخ الديمقراطية المهددة بفعل سطوة المصلحة الخاصة، وذلك بأن نرسخ ثقافة شعبية متحررة بدورها من تسلط المصالح الخاصة. وبدل أن يحكم الحكماء، يمكننا أن نجعل الشعب يرقى إلى مستوى معقول من الحكمة والقدرة على تمثل فكرة الخير العام. وهذا هو الخيار الأفضل والأضمن بالنسبة لمستقبل الديمقراطية.

على أنّ المستوى الذي يلتقي فيه الفيلسوف “اليساري” الفرنسي ألان باديو مع الفيلسوف “اليميني” الأميركي ليو شتراوس هو المستوى الذي يؤكدان فيه حاجة المجتمعات المعاصرة إلى نوع من القيم المتعالية والمطلقة على طريقة مُثُل أفلاطون، مثل الخير والفضيلة والحق ونحو ذلك. لكن يتجلى الفرق الأساس بين الفيلسوفين في أن آلان باديو يدعو إلى تحرير فكرة المثل الأفلاطونية من التأويل الديني المسيحي الذي تعرضت له، والذي جعل الناس يتصورونها وكأنها مرادف للماورائيات الدينية، في المقابل يفتح ليو شتراوس الباب على مصراعيه أمام عودة القيم الدينية المحافظة نفسها لأجل دعم حاجة المجتمعات إلى المُثل ومناهضة نزعة النسبية الثقافية، والتي أضعفت مفاهيم الخير والفضيلة والحق، وجعلت كل شيء نسبيا حتى العدالة نفسها.

يتفق آلان باديو وليو شتراوس على أن نزعة النسبية الثقافية هي الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان، هذه الأخيرة التي تفترض نوعا من المعايير الكونية وحتى المتعالية إلى حد معين. لقد انتهت نزعة النسبية الثقافية بالنسبة لليو شتراوس إلى صعود النازية بعد أن أصبح كل شيء نسبيا بما في ذلك قيم العدالة والديمقراطية نفسها، وانتهت نزعة النسبية الثقافية بالنسبة لآلان باديو إلى تفشي قيم الأنانية والمصالح الخاصة وقيم السوق، ودمرت بالتالي نسيج التضامن الاجتماعي، ومن ثم أضعفت قدرة الشعوب على الاهتمام بالشأن العام كشرط أساس لازدهار الديمقراطية.

بالنسبة لليو شتراوس في كتابة “ما هي الفلسفة السياسية؟” فإنّ الديمقراطية تدهورت جرّاء موجات الحداثة السياسية نفسها، والتي انطلقت مع مكيافيلي خالية من أية مثل أخلاقية، وأفضت مع نيتشه إلى انهيار كامل لكل القيم والمثل العليا، ومن ثم لم يعد بالإمكان التعامل مع الديمقراطية نفسها باعتبارها قيمة مثالية، وإنما باعتبارها مجرّد حالة نفعية يمكن التغاضي عنها إذا ظهرت منفعة مختلفة. لأجل ذلك يدعو شتراوس للعودة إلى الفلسفة الكلاسيكية على رأسها أفلاطون فضلا عن الفارابي وابن ميمون.

في المقابل، يتفادى آلان باديو اتهام نيتشه بالنسبوية وبالعدمية، وقد يبدو ذلك مبرراً طالما نيتشه نفسه قابل لأن يخضع لتأويلات متعددة ومتباينة. كما أنه يتفادى اتهام الحداثة السياسة بإضعاف الديمقراطية على خلاف ليو شتراوس، مكتفياً بتوجيه سهام النقد إلى العولمة الرأسمالية.

هكذا، يمنحنا الفيلسوفان آلان باديو وليو شتراوس فرصة أخرى لإعادة قراءة فلسفة أفلاطون من جديد، وتوظيفها هذه المرّة في اتجاه حماية الديمقراطية وإعادة بناء أسسها وتأمين مستقبلها.


كاتب مغربي

8