في حاجة السلطة إلى مقاومة السلطة

الاثنين 2017/06/12

خطأ جسيم أن نظنّ بأن مقاومة السلطة فعل يعادي السلطة بالضرورة، أو يهدد وجودها. خطأ جسيم أيضا أن نظنّ بأن خلو الأوطان من الاحتجاج سيكون في مصلحة السلطة في الحساب الأخير. ذلك أن السلطة ميالة بطبعها إلى التسلط، لا سيما حين تضعف الأحزاب والنقابات والجمعيات والمثقفون. لا يكمن سبب التسلط في “سوء نوايا” رجال السلطة، فالمسألة ليست مسألة نوايا، إنما ينبع التسلط من طبيعة السلطة نفسها، من نزوعها التلقائي إلى الشطط حين يخلو لها المجال بلا حسيب ولا رقيب. السلطة مثل “التنين” كما شبّهها هوبز في مشروعه الفكري “الليفياثون”، غير أن الوجه الآخر الذي سيكتشفه الفكر السياسي بعد زمن طويل عن هوبز، هو أن “تنين” السلطة من النوع الذي إذا ما تمادى في التغول فإنه قد لا يكفيه أي شيء آخر سوى أن يبتلع نفسه في الأخير. بمعنى أن المطلوب في كل الأحوال هو حماية السلطة من السلطة نفسها، حماية السلطة من تهور السلطة. يتم ذلك عبر وسيلتين أساسيتين: مؤسسات السلطة المضادّة، وقدرة المواطنين على الاحتجاج.

المعضلة عندنا أننا ورثنا عقلا فقهيا مجبولا على اعتبار كل فعل احتجاجي بمثابة خروج عن “طاعة” الحاكم، اللهم إذا كان الاحتجاج مشفوعا بآيات التوسل والشكوى والتذلل، أو تُركت الشكوى كلها لوسيط سياسي واحد ومحدد، هو نصائح الفقهاء للسلاطين على منوال الآداب السلطانية. أصل الداء أننا نعتبر “العقد الاجتماعي” الذي هو أساس الدولة عقد غلبة وتمكين. من هنا نفهم لمَ تحتفظ الكثير من السلطات في العالم الإسلامي بعقيدة الحجاج بن يوسف الذي كان يقول إنه يأخذ الناس بالظنة، ويعاقبهم على الشبهة، ويؤاخذ أهل بلدة بجريرة بعض أهلها. المعضلة الأخرى أننا ورثنا مبدأ خبيثا يقول: نحن “المستضعفون في الأرض” لا دخل لنا في السلطة التي هي لعبة الكبار وحين تصطدم السلطة بنفسها فعلينا أن نتفرّج ثم نصلي خلف من غلب.

لكن الطامة الكبرى أن ينتقل هذا الداء الثقافي إلى بعض القوى المحسوبة على العلمانية، وهي أدرى بقواعد الفكر السياسي المعاصر. ماذا تقول تلك القواعد؟ السلطة قابلة بحكم طبيعتها للفساد. القابلية للفساد لا تعني فقط قابلية السلطة لإفساد أصحابها، حتى وإن كان هذا الأمر صحيحا، لكنها تعني بالأساس أن السلطة قد تفسد نفسها بنفسها. لذلك ثمة في الديمقراطيات الأكثر حداثة ما يكفي من الألجمة المؤسساتية والتشريعية والتي منطلقها هو “إساءة الظن” بالسلطة ابتداء إلى أن يثبت العكس. وهذا عوض الانطلاق من إساءة الظن بالمواطن البسيط.

من بين أهم التدابير التي تنهجها الديمقراطيات الحديثة، وهي بذلك تسيء الظن في السلطة، نجد: فصل السلط الثلاث وضمان سيادة القضاء؛ عدم السماح للحاكم بأكثر من ولايتين متتاليتين بصرف النظر عن إنجازاته؛ دسترة حقوق الأقليات والحريات الفردية وحرية وسائل الإعلام والمساواة بين الجنسين كما هو متعارف عليها دوليا ودون تحفظات تُذكر؛ تفويض الحق في تأويل الدّستور لهيئة قضائية مختصّة لا تقع تحت وصاية السلطة التنفيذية؛ الحفاظ على مسافة زمنية معتبرة بين كل من الانتخابات التشريعية والرئاسية والجماعية، لأجل تفادي أيّ صدمة انتخابية قد تفضي إلى هيمنة فجائية لأحد الأطراف على كل دواليب الدولة؛ إجراء الانتخابات العامة في دورتين، وذلك من أجل إتاحة الفرصة لتحالفات قد تقلص من هيمنة الطرف الفائز في الدّور الأول؛ دعم المجتمع المدني كسلطة مضادة.

غاية تلك الإجراءات هي إلجام السلطة، باعتبارها “تنينا” يحتاج بالضرورة إلى من يلجمه حتى لا ينتهي به الأمر إلى ابتلاع نفسه بنفسه. أما من لا يزال يتوهم بأن تغول السلطة في العالم الإسلامي قد يحمي بعض الهامش الحداثي ضدّ شعوب متدعوشة بالفطرة أو بالضرورة، فندعوه إلى إمعان النظر في مآل المجتمع التركي اليوم تحت وصاية المستبد أردوغان.

كاتب مغربي

9