في حاجة المثقف إلى شيء من فن الحياة

الخميس 2015/03/12

كثيرا ما يصادف المتصفح لمواقع التواصل الاجتماعي في المجتمعات الأوروبية أحدهم يصف نفسه بأنه أبيقوريّ النزعة والهوى. والملاحظ أنّ نساء منتصف العمر هن الأكثر ميلا إلى هكذا توصيف. لكن -وهذه ملاحظة أخرى- هناك من لا يستوعب ما تعنيه الأبيقورية من حيث هي فلسفة المتعة بالفعل، لكنها المتعة في بساطتها الطبيعية الأقرب إلى “الزهد” منها إلى الاستهلاك السطحي الباذخ.

الأبيقورية فن الاستمتاع بكل ما هو متاح بنحو طبيعي لكافة الناس؛ نسيم البحر، عبق الزهور، أصوات العصافير، مشهد الغروب، قبلة رطبة من حبيب أو حبيبة، إلخ. إذا أنت لم تشعر بالمتعة في كل هذا فلا تحاول البحث عنها في أي مكان آخر، لن تصادفها ولو في فنادق ست نجوم –وتلك الفنادق موجودة في بعض المناطق والله أعلم- وبذاك المعنى يمكن أن يكون المرء أبيقوريا في القرن الواحد والعشرين، وسط عالم غارق في المغريات التي قد تُتَفه الحياة وتفقر الوجود وتستنزف الوجدان.

نعم، الأبيقورية فلسفة في فن الحياة باستعمال المتعة الحسية والجسدية في أقصى مظاهرها، لكنها فلسفة في فن القدرة على الاستمتاع بالأشياء في بساطتها المشاعة وعذوبتها المتاحة. وكما يقول أبيقور عن فلسفته، إنها القدرة على الاستمتاع بنسمة الهواء حين تداعب وجه الإنسان. من أدرك هذا أدرك المتعة، ومن لم يدرك هذا لن يدرك المتعة ولو أفنى عمره في قصور ألف ليلة وليلة.

تبقى المتعة الحسية في جوهرها نعمة ممنوحة لكافة الناس على قدم المساواة، لكن قليلين من استطاعوا تطويرها وتحويلها إلى مهارة وقدرة وفن أصيل من فنون العيش. وهذا بالضبط ما تحاول الأبيقورية أن تعلمه للناس منذ عهد اليونان. واليوم، فإنّ الوعي بهذا النمط الأصيل من المتعة، يعدّ مدخلا نحو تحرير الإنسان من هوس ثقافة الرفاهية ونهم التملك والاستهلاك المفرط.

هوس الاستهلاك المفرط آفة الأشخاص العاجزين عن الاستمتاع بالمتاح الحسي والطبيعي للناس كافة. لهذا السبب تعد تنمية القدرة على المتعة أهم وسيلة من وسائل مقاومة مغريات الثراء الفاحش والاستهلاك الباذخ.

شيء من الحكمة الأبيقورية، هذا بالضبط ما يحتاجه المثقف التنويري حتى لا يفقد ملكة النقد في غمرة مغريات المال.

كان سبينوزا من أبرز فلاسفة التنوير الأوروبي، وكان أبيقوريّ الهوى، طردته الطائفة اليهودية من الجماعة، وتعرض للحرمان الكهنوتي فاستحوذت أخته على نصيبه من الإرث العائلي، ثم رفع دعوى قضائية بالمحاكم الهولندية، وصدر الحكم لصالحه حتى يستردّ ثروته، لكنه سرعان ما تنازل عنها بمحض إرادته. لم يكن يطلب غير الإنصاف أما المال فقد كان في قلبه ما يكفي من الحكمة الأبيقورية التي تغنيه عن النهم للمال. فعلا، صدق من قال “من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا”.

24