في حاجة شعوبنا إلى من ينتقدها

ليس النقد مجرد حق من الحقوق لكنه واجب أخلاقي وإنساني وسياسي في معظم الأحيان. لذلك لا شك في أن نقد دور الحركات الدينية في إجهاض الربيع العربي يبقى من أوجب واجبات العقل النقدي.
الاثنين 2018/02/26
جوهر الأزمة السورية يتعلق أيضا بالتنظيمات الدينية الجهادية والتكفيرية

تعترضني أسئلة كثيرة، أفترض فيها حسن النية ابتداء، وأبسطها على المنوال التالي: هل يمكنني أن أكون ديمقراطيا إذا كنت سأستمر في انتقاد الإسلام السياسي بالمغرب مع أنه فائز بالأغلبية الانتخابية، ويدعي مقاومة “التحكم”؟ هل يمكنني أن أكون عادلا ومنصفا إذا كنت سأواصل نقد الإسلام السياسي في سوريا مع أن معظم فصائله تحارب الاستبداد الأسدي؟ هل يمكنني أن أكون مناصرا للقضية الفلسطينية إذا كنت سأستمر في انتقاد الإسلام السياسي في فلسطين، ومعظم فصائله تقاوم الاحتلال الإسرائيلي؟

يتعلق الأمر بسوء فهم لدلالة النقد السياسي تحديدا، والنقد الثقافي على وجه العموم. وهذا الحال، على افتراض حسن النية مرة أخرى، يذكرنا بأولئك الذين قرأوا كتاب “نقد الحداثة” لآلان تورين من عنوانه، فجعلوا العنوان من باب “شهد شاهد من أهلها” على “إفلاس” الحداثة الغربية، ومن ثمة فإن “الإسلام هو الحل”! هؤلاء يجهلون أو يتجاهلون بأن العقلانية نفسها تطورت بفعل قدرتها على نقد ذاتها.

مفاهيم كثيرة مثل التقدم، المجتمع الصناعي، التنمية، وحتى الرأسمالية نفسها، لم تتطور إلا بفعل قدرتها على استيعاب كل الانتقادات التي طالتها سواء من داخلها أم من خارجها. لذلك تعدّ القدرة على الإصغاء للنقد دليلا على العنفوان.

اعتراض آخر لا يقل حدّة، لماذا أركز النقد في هذه الأثناء على الحركات الدينية؟ أليست الحركات الليبرالية واليسارية وكافة التيارات المدنية تستحق النقد بدورها؟

عليّ أن أجيب بوضوح: هناك معطى حاسم، الحركات الدينية هي الأكثر قوة وشعبية وتأثيرا، وهي بسبب ذلك الأكثر تعبيرا عن أزمتنا الثقافية والحضارية. بكل تأكيد فهي ليست سبب الأزمة، لكنها تمثل المظهر الأكثر تعبيرا عن الأزمة.

إن مجاملة أساطير الجمهور ودغدغة أوهامه لن تكون أكثر من نفاق قد يجلب بعض المكاسب السياسية، لكنه يقود الجميع إلى التدهور والانحطاط

إن جوهر الأزمة السورية اليوم لا يتعلق فقط بطبائع الاستبداد الأسدي، وإنما يتعلق أيضا بالتنظيمات الدينية الجهادية والتكفيرية التي حوّلت إحدى أعظم ثورات ما كان يعرف بالربيع العربي إلى فتنة دينية وحرب طائفية تأكل اليابس والأخضر. ومع ذلك يبقى السؤال الحقوقي واردا: الجريمة يعاقب عليها القانون، لكن هل يجوز للاتهام القضائي أن يشمل الخطاب الأيديولوجي؟

في كل الأحوال، إن كان القانون الجنائي لا يهتم بمحاكمة الأيديولوجيات، فإن نقد الأيديولوجيات، أكانت دينية أم وضعية، يبقى وظيفة القوى التنويرية والنقدية على وجه التحديد. على أن اختيار المثقف للأيديولوجيا التي سيشملها النقد خلال كل مرحلة من المراحل لا يتعلق بمزاج المثقف، وإنما يتعلق بالأيديولوجيات الغالبة أو المتمكنة أو التي تحظى بفرص أكبر للتغلب والتمكين. النزوع الغالب على جمهور الحركات الدينية هو تجريم النقد الموجه إليها. وهو تجريم يعزف في نفس الأثناء على ثلاثة أوتار غير متجانسة: وتر امتلاك الحقيقة الدينية المقدسة، وتر امتلاك المشروعية الديمقراطية، ووتر مقاومة الاستبداد السياسي أو الاحتلال الأجنبي.

الخلط بين هذه المستويات الثلاثة أثناء تجريم النقد الموجه للحركات الدينية، يجعل الدفاع عن الحق في النقد أمرا بالغ الصعوبة. ولذلك لا بدّ من توضيح أوّلي للسؤال: لماذا لا يجوز لنا أن ننتقد الحركات الدينية، هل لأنها تمتلك الحق الإلهي؟ (وهذه فرضية أسطورية)، أم لأنها تمتلك الأغلبية الانتخابية؟ (وهذا متغير سياسي)، أم لأنها قد تعارض الاستبداد أو الاحتلال؟ (وهذا ليس دائما).

اللعب على الأوتار الثلاثة دفعة واحدة يؤدّي إلى سوء التفاهم؛ لأن المستويات هنا تختلف من حيث المرجعيات، ولا يمكن الخلط بينها بأي حال. لا يمكنني أن أقول مثلا، أتبنى هذا الرأي لأن العقل يقول إنه صحيح، وأيضا لأن الناس يقولون إنه صحيح، وأيضا لأن الشيخ فلان يقول إنه صحيح. مستويات الحجاج هنا متفاوتة ومتنافرة. ففرق كبير بين أن تكون الحجة صواب الرأي، أو تكون الحجة اعتقاد الجمهور بصواب الرأي، أو تكون الحجة رأي هذا الشيخ أو ذاك.

الغالب على الإسلاميين هو نفسه ما كان غالبا على الفقهاء القدامى، مجاراة غرائز الجمهور. وحين نقول الغرائز فنحن نقدر بأن الجمهور حين لا يفكر طالما التفكير مهارة فردية، وحين لا يتعلم ممارسة التفكير طالما أن التفكير ممارسة نقدية، وحين يمكث في مستوى الوجود الغريزي، فإنه يميل طبيعيا إلى التعصب للرّأي والتوجس من الآخر والخوف البدائي من أن يحلَّ عقاب السماء بالجميع بسبب تصرفات البعض، والنزوع إلى الغيرة البدائية على نساء العشيرة، إلخ. هكذا هي الأمور عندما ينحدر منسوب التفكير والثقافة والعقل النقدي داخل أي مجتمع كيفما كان.

ليس النقد مجرّد حق من الحقوق، لكنه واجب أخلاقي وإنساني وسياسي في معظم الأحيان. لذلك، لا يغمرنا أي شك في أن نقد دور الحركات الدينية في إجهاض ما كان يسمّى بالربيع العربي يبقى من أوجب واجبات العقل النّقدي اليوم.

مفاهيم كثيرة مثل التقدم، المجتمع الصناعي، التنمية، وحتى الرأسمالية نفسها، لم تتطور إلا بفعل قدرتها على استيعاب كل الانتقادات التي طالتها سواء من داخلها أم من خارجها

والحق يقال، تعدّ الثورة السورية المجهضة بمثابة النموذج الأبرز لخطايا الحركات الدينية في العالم الإسلامي، ولا سيما المسماة منها بالمعتدلة والتي وقع عليها رهان دولي وعالمي كبير لغاية سحب البساط من تحت أقدام الحركات الدينية المتطرفة والأكثر تطرفا.

في اللحظة التي انتقلت فيها الثورة السورية من الحراك السلمي إلى النزاع المسلح انتقلت موازين القوى ميدانيا وتدريجيا لفائدة الإسلاميين. لذلك وبصرف النظر عن مآل الرئاسة، فقد كان المجلس الوطني المعارض في الخارج يتألف من أغلبية تنتمي إلى الإخوان المسلمين. وكان الأمر يبدو كما لو أنه يستجيب لأربعة تطلعات: أولا إنصاف الإخوان المسلمين الذين تعرضوا للإبادة في مجزرة حماة ولم يعودوا إلا مع اندلاع الثورة السورية. ثانيا التمثيلية الافتراضية للإخوان لجل المناطق السنية التي يُفترض أنها تؤلف بؤر الثّورة. ثالثا بسبب التركيبة الطائفية لسوريا لا خوف من أن يحتكر الإخوان هياكل الدولة. رابعا ربما يكون الإخوان وبالتعاون مع تركيا وقطر، الأقدر على احتواء الجهاديين والتكفيريين الذين يقاتلون بجانب الثوار، حتى لا تبتعد الثورة كثيرا عن أهدافها التحررية.

انطلاقا من التطلع الرّابع بدأ تفخيخ الثورة السورية. كان المال القطري سخيا، وكان الدعم اللوجستي التركي كبيرا، وكانت خلايا الإخوان المسلمين أولى قنوات تسرب الجهاديين الأوائل إلى داخل شرايين الثورة السورية مرورا بالحدود التركية. لكن مرة أخرى، وكما حدث في ميدان رابعة بالقاهرة إبان مقاومة الانقلاب، انفلت زمام المبادرة من يد “المعتدلين” وانتقل فجأة إلى يد الجهاديين المتطرفين، وصولا إلى الأشدّ تطرفا. وفي كلتا الحالتين انتهى الأسلوب الديني في المقاومة إلى تفخيخ المقاومة. ولربما هو الاغترار بالجمهور. لكن الأمر فوق ذلك متعلق بإفلاس الرهان على أساطير الوسطية والاعتدال.

الآن وقد “أجهضت” الثورة السورية بفعل الرهان على التكفيريين، كما حدث في ليبيا واليمن، فهل كان يجب السكوت عن خطايا رجب طيب أردوغان في حق الثورة السورية بدعوى أن الرجل يمتلك الأغلبية الانتخابية في بلده، وأنه سيساعد في تحقيق غاية إسقاط الأسد؟ هل كان يجب السكوت عن خطايا الإخوان في سوريا بدعوى أنهم يمتلكون أغلبية في المجلس الوطني، وأنهم من أبرز ضحايا النظام الأسدي، وفوق ذلك يحتمل أن يفوزوا بالأغلبية في أولى الانتخابات فيما لو سقط نظام الأسد؟

في بداية الحراك السوري كانت هناك صفحة فيسبوكية رائدة أنشأها شباب الحراك تحت عنوان “نقد الثورة السورية”. في تلك المرحلة كان نقد الثورة جزءا من الثورة نفسها. لكن، الكثير من رواد الصفحة اعتقلوا، وهاجر الباقي إلى خارج سوريا هربا من متطرفي الثورة، وحُرمت الثورة في الأخير من الدينامية النقدية. بكل تأكيد عندما تتلاشى القدرة على النقد تتلاشى القدرة على التطور.

لقد تطورت الحداثة السياسية بمفعول النقد الجذري الذي تعرضت له (نيتشه وفوكو مثلا)، تطورت العقلانية بمفعول النقد الذي رافقها منذ كانط إلى كارل بوبر وهابرماس، وتطورت المسيحية الغربية بمفعول النقد الجذري الذي تعرضت له النصوص المقدسة من طرف سبينوزا وفيورباخ.

تحتاج شعوبنا اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى من ينتقدها بنحو جدي وجذري. إن مجاملة أساطير الجمهور ودغدغة أوهامه لن تكون أكثر من نفاق قد يجلب بعض المكاسب السياسية، لكنه يقود الجميع إلى التدهور والانحطاط. لا يعني النقد بأي حال من الأحوال الاعتداء على المنقود، سواء أكان المنقود دولا أم شعوبا، إنه يعني تحديدا فتح الباب أمام التطور والتجاوز والطموح الإنساني نحو حياة أفضل. وأما إذا كان المنقود يحظى بالأغلبية أو بالمشروعية أو بالمظلومية، فإن كل هذا لا يمنحه العصمة والتقديس.

9