في حدود القوة الناعمة القطرية

الأربعاء 2017/06/14

لم يكن توصيف الدوحة لحالة المقاطعة الخليجية العربية الحاصلة ضدّها، بالحصار إلا سعيا في سبيل استدرار القوة الناعمة القطرية في الوطن العربي، والتي سعت منذ انقلاب الأمير الوالد حمد بن خليفة على أبيه في 1995، إلى تأصيل قوة رمزية واعتبارية في المخيال الشعبي العربي، وفي تمثل قادة الرأي على أنها الإمارة الاستثناء والاستثناء الأميري في منطقة الخليج العربي.

كان الضمور الكويتي على الساحة الفكرية والثقافية الخليجية والعربية بصفة عامة عقب حرب الخليج الثانية (1990 -1991)، مقدمة لاقتحام الدوحة لفضاء الصورة والفكرة والطرح، ولاكتساح المجال عبر قناة الجزيرة التي عملت منذ تأسيسها على تقديم خطاب سياسي مغاير لأحاديات الخطاب السياسي لمعظم القنوات الإعلامية العربية خلال عقد التسعينات على الأقل.

خلال العقد الأوّل من الألفية الثالثة، رمت الدوحة بشرايين منظومة “القوة الناعمة” وفق رباعية أساسية متمثلة في قناة الجزيرة وخطابها الإعلامي المخاتل والمخادع، مراكز الأبحاث والدراسات التي أثثها الباحث عزمي بشارة والتي عملت وعمدت إلى إعادة تشكيل الوعي العربي بالقضايا الإقليمية والدولية كما تبتغيه الدوحة، تأسيس منصة فقهية للفتوى برئاسة يوسف القرضاوي حتّى تكون الرافدة والرافعة الإسلامية للتوجهات السياسية للدوحة، وأخيرا انفتاح نسبي ومحسوب حيال المطلبية الحقوقية عبر دعم بعض جمعيات المجتمع المدني وعبر تأسيس مركز الدوحة لحرية الإعلام.

رباعية المفكّر والفقيه والإعلام والمجتمع المدني استثمرتها الدوحة جيدا خلال مرحلة التأسيس والتأصيل، باتت قطر محجة الكثيرين من أصحاب المشاريع الفكرية والثقافية ومقصد العديد من أتباع التيارات الدينية، الإخوانية منها والسلفية، ومهبط أفئدة الباحثين عن تجربة إعلامية فريدة.

المفارقة أن الدوحة جذبت إليها خلال مرحلة التأسيس للأدوار الإقليمية والدولية، كافة تناقضات السياسة من شتات اليسار وهوامش العروبيين إلى الإسلاميين من بن لادن إلى أردوغان، وكافة المتباينين في الأطروحات الفكرية من الدعاة إلى تفتيت الدولة الوطنية إلى مناصري المركزية ومن المنافحين عن مقولة ما بعد الليبرالية إلى المدافعين عن “الشرطة الدينية”.

وفي الوقت الذي تصور فيه البعض من التائهين فكريا والتالهين ميثاقيا والضائعين سياسيا بأنه وجد في الدوحة مكمن الاستثمار المادي والمعنوي، كانت الأخيرة تستثمر في القوة الاعتبارية وفي الرأس المال الرمزي لكل مثقف عضوي وسياسي حر ومقاوم مبدئي قصد تشكيل الخزان الرمزي الاستراتيجي الذي سيصرف تخريبا في الأوطان وتمكينا للإخوان.

والحقيقة التي لا بد من الصدع بها أن رباعية “المفكر والمفتي والقناة والمجتمع المدني” خلقت مدونة فكرية وثقافية معتبرة، واستحثت الجهد لدى بعض العواصم العربية الأخرى لاستدرار المعرفة واستجلاب منظومات التفكير الاستراتيجي، إلا أن مياسم الإيجابيات لم تتجاوز الهامش ذلك أن المركز والمحور كان ينتظر لحظة الانقضاض عند ضعف المؤسسات المركزية في أكثر من دولة إقليمية كبرى.

الدوحة تبحث عن معاضدين لها في الأزمة الخليجية فلا تجد سوى شخصيات إسلاموية تدرك الدوحة قبل غيرها أنها تخاف على مصيرها أكثر من مصير قطر

خلال أحداث الربيع العربي حصل يقين لدى دوائر اتخاذ القرار في الدوحة بأن لحظة التمكين للحلفاء الحقيقيين وبرهة التمكن من العواصم الكبرى أزفتا، وأنّ تجيير رباعية “المفتي والمفكر والإعلام والمجتمع المدني” لاستهداف الأوطان العربية صار متاحا ومستباحا لا سيما في ظلّ قصف العقول وتشويه الوعي الوطني الذي طال الكيان والوجدان العربي.

من ليبيا، إلى سوريا، ومن تونس إلى مصر، كان عزمي بشارة ينظر لما بعد الدولة بترويج مقولة استحالة فرضية “الإصلاح” وحتمية التغيير بالسلاح أو بغيره، فيما كان يوسف القرضاوي يفتي بجواز الاغتيال السياسي وباستحلال العمليات الانتحارية ضدّ الجيوش الوطنية، أما الجزيرة فكانت منصات يومية لتغطية مستمرة لحدث استضعاف الدولة واستنزاف الأمة واستهداف المؤسسات الوطنية، فيما كانت الجمعيات القطرية واجهة للأعمال الخيرية ووجهة للتطرف الناعم.

وبمقتضى تحول رباعية القوة الناعمة إلى رباعية القوة المدمرة، انفض عن الجزيرة وعن منظومة القطرنة، الكثير من الرأي العام العربي، يكفي بأن نشير إلى خسارة الجزيرة للملايين من المتابعين الذين آووا إلى قنوات بيروتية تركز على محوري صون الإنسان وصيانة الأوطان.

انفض عن منظومة القطرنة الكثير من المثقفين وقادة الرأي والأحزاب السياسية والناشطين الإصلاحيين، بل انفض عنها رهط كبير من الصحافيين والإعلاميين الذين واكبوا لحظة ولادة المشروع وآمنوا به، قبل أن ينكشف القناع عن القناع فما كان منهم إلا الانسحاب بهدوء مرددين مقولة “الاستقالة موقف”. اليوم، تدفع منظومة “القطرنة” فاتورة استنزاف القوة الناعمة في حروب الاستهداف على الجغرافيا العربيّة.

تبحث الدوحة عن معاضدين لها في الأزمة الخليجية فلا تجد سوى شخصيات إسلاموية تدرك الدوحة قبل غيرها أنها تخاف على مصيرها أكثر من مصير قطر، ولا تجد أيضا إلا شخوصا من الزمان الغابر قادمين على عجل وعلى عجلة الزمان المستدير دفاعا عن العائلة المالكة وردا لجميل الأمير الوالد.

وفي خضم لعبة الأمم، تدرك الدوحة أن قوتها الناعمة استنزفت وأفلست بالكامل عند الالتجاء إلى طهران وموسكو، لا فقط لعدم وجود حليف عربي مجاهر بدعمه للدوحة، بل لأن قطر تنقلب على مدونتها الإعلامية والسياسية وخططها الاستراتيجية المعتمدة طيلة سنوات الربيع العربي، وتمد أياديها لمن ناصبتهم العداء-الإعلامي على الأقل- في المشهدين السوري والعراقي.

طيلة السنوات السابقة كانت قطر تربح بسهولة لعبة “السماوات المفتوحة” فتتداعى معها أفئدة الشعوب العربية المكلومة والمظلومة فتنتصر بذلك في الأرض كما تنتصر في السماء، أما اليوم فلا لعبة السماوات المفتوحة تتقنها الدوحة، ولا مجاراة الرمال المتحركة في جغرافيا الخليج والوطن العربي تستكنه مداها الدواوين الأميرية ومستشاروهم من غير تلك الصحراء.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9