في "حرب الكلب الثانية" أنت في الماضي والمستقبل ولست في الحاضر

الكاتب الفلسطيني إبراهيم نصرالله يحاول يقدّم خلاصة الماضي كما يراه متمثلا في المستقبل، وما هذا الماضي إلا حاضرنا.
السبت 2018/03/10
فانتازيا وخيال مجنون

تبدو رواية “حرب الكلب الثانية” للكاتب الفلسطيني إبراهيم نصرالله رواية تقليدية من حيث البداية والنهاية والذروة، وحتى من حيث تقسيمها إلى فصول تسعة بحسب مراحل الحرب التي أرادها وأدارها الكاتب مثل لعبة، ليصبح هو الآخر جزءا منها، بل وأحد لاعبيها. إلا أنها في الحقيقة ليست رواية تقليدية أو كلاسيكية، ليس فقط لكونها لا تنتمي إلى زمان ومكان بعينه، بل أيضا لما تحمله من فانتازيا وخيال مجنون يجاوز إلى حدّ ما أفلام الخيال العلمي فيما يحافظ على واقعيّة في مزيجه سردي.

يحاول نصرالله عبر هذه الرواية، التي بلغت القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية هذا العام، أن يقدّم خلاصة الماضي كما يراه متمثلا في المستقبل، وما هذا الماضي، إلا حاضرنا الذي تجاوزه الكاتب بسنوات وربما عقود، ليكون قادرا على النظر إليه والحكم عليه، وبما أن الرواية لا ترتبط بزمان أو مكان، وجميع أحداثها خارقة للبشر وقدراتهم في حاضرنا، فإن الكاتب استغلّ ذلك ليقدّم رؤيته وروايته، دون أن يقول شيئا مباشرا يحاسب عليه، خلاصة قوله “أنت في الماضي والمستقبل أكثر مما أنت في الحاضر”. وبما أنك تعي الماضي (حرب الكلب الأولى) التي طعنتنا وألزمتنا بمحو ماضينا، والتي شاهدها راشد بطل الرواية في فيلم وثائقي، وكانت سببا في هلاكه، وترى المستقبل بعين الرواية التي نهايتها بداية لحرب أخرى (حرب الكلب الثالثة)، فلماذا لا تحاول تصحيح خطئك في الحاضر.

تدور الرواية، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون، حول راشد، الرجل الحديدي الذي لا يساوم، المعتقل الذي يخرج من السجن وقد وضع نصب عينيه تغيير عقيدته وأيديولوجيته وسلوكه، ولأنه كان شديد الذكاء استطاع أن يستغلّ ذلك لتحقيق أهدافه الشخصية، بدءا من مصاهرة الضابط الذي سجنه وانتهاء بصنع مجده، كل ذلك عبر أحداث ومواقف تفصيلية، قد تسبب الضحك والبكاء والإنكار وموجة الغضب لدى القارئ، ما يجعل من هذا العمل المرآة التي نرى أنفسنا فيها، كل قارئ سيكون له موقف مما يحدث فيها وفقا لرؤيته.

رواية إبراهيم نصرالله يتحوّل فيها كل البشر إلى نسخ من بعضهم البعض ولن ينجو منهم أحد إلا بالقتل، وكأنه إشارة أيضا وتحذير من الانسياق وراء بعض الأيديولوجيات التي باتت مُرعبة، وتأكل اليابس قبل الأخضر، وتلتهم البشر وتستغل بأسهم وضعفهم وحتى موتهم

تبدأ الرواية مع نهاية حرب الكلب الأولى، وتنتهي مع تباشير لحرب الكلب الثالثة، ولا يمكن أن نجزم أن حكايتها قد انتهت فعلا، أم أن الحلقة المغلقة هي سيّدة الموقف، بالنسبة إلينا قبل الكاتب، نحن الذين نكرّر أخطاء الماضي، بحجّة أن الماضي يعيد نفسه. تحيلنا الرواية بشكل أو بآخر إلى المسرحية الأكثر شهره ليوجين يونسكو “الخراتيت” والخرتيت في اللغة العربية حيوان برِّيّ ضخم يعيش في سهول أفريقيا الشرقيَّة والجنوبيَّة، يهرب أحيانًا من الخطر وأحيانًا يجتاح كل ما يقف في طريقه. وقد كتب يونسكو مسرحيته هذه في العام 1959، أي بعد ولادة كاتب الرواية بأعوام تقريبا، في ذلك الوقت الذي عرف فيه مسرح اللامعقول أو المسرح العبثي، الذي يسخر فيه الكاتب من عبثية أوضاع الحياة، وكانت “الخراتيت” من أشهر تلك الأعمال، لكن الفارق الوحيد بين الفكرتين أن مسرحية “الخراتيت”، التي تدور أحداثها في قرية فرنسية صغيرة ومجهولة، يتحوّل معظم أصدقاء البطل إلى خراتيت ليجد نفسه في النهاية وحيدا صامدا في وجه هذا التغيير، في رسالة تحذير من يوجين يونسكو من مسألة الانسياق وراء الأيديولوجيات، خصوصا بعد علوّ شأن الحرس الحديدي الفاشي في رومانيا في ثلاثينات القرن العشرين، والذي يرجع تأسيسه بحسب بعض المؤرخين إلى الألماني النازي أربيرت هايم.

أما رواية إبراهيم نصرالله، فيتحوّل فيها كل البشر إلى نسخ من بعضهم البعض ولن ينجو منهم أحد إلا بالقتل، وكأنه إشارة أيضا وتحذير من الانسياق وراء بعض الأيديولوجيات التي باتت مُرعبة، وتأكل اليابس قبل الأخضر، وتلتهم البشر وتستغل بأسهم وضعفهم وحتى موتهم في شبكات الاتجار الإنساني واللا أخلاقي.

 لكن الاختلاف بين الفكرتين، التحوّل إلى حيوان، أو إلى نسخ طبق الأصل، هو ما يسعى كل كاتب إلى قوله، فنصرالله يؤمن أن الإنسان هو الذي يعيد أخطاءه، وليس التاريخ هو الذي يعيد نفسه، بينما يوجين يونسكو ينطلق من مفهوم آخر يتلخص في السؤال الذي طرحه في مذكراته قبل زمن من كتابته لمسرحيته، ألا وهو “كيف يمكن أن يدار العالم من قبل البشر؟”.

حاول إبراهيم نصرالله ملامسة الواقع رغم هروبه إلى المستقبل البعيد، بكل ما حمل من فانتازيا وعبثية، بحيث جعل بطل الرواية راشد يستفيد من كل التطوّر التكنولوجي الحاصل، لخدمة أفكاره وتحقيق مصالحة الشخصية ورغباته المكبوتة، لا لخدمة البشرية، فيستنسخ سكرتيرته التي أحبها على شكل زوجته التي عشق جمالها والتي لم تكفه، ولو كان ممكنا شرعا لجمع بينها وبين شقيقتها، وعندما يصبح الاستنساخ متاحا بمجرد النظر إلى الآخر، تحاول كل شخصيات الرواية أن تكون صورة عن الإنسان الذي تتمناه لأغراض شخصية ومصالح خاصة، ويصبح العالم كله شبيها ببعضه البعض إلى درجة الخوف من الأنا ومن الآخر على حدّ سواء.

15