في حضرة الساحرات

كرة القدم لم تعد حكرا على الرجال، والإبداع لم يعد أيضا حكرا على النجوم، بل إن السماء تتسع للجميع والنجمات القادمات قادرات على خطف الأضواء، ومن يتابع بطولة العالم للسيدات حاليا يدرك حتما هذا الأمر.
الأحد 2019/06/16
سيدات يجذبن الأضواء بسحرهن الكروي الفاتن

هو صيف كروي بلا شك، صيف بدأ وكأنه أشد تنافسية من الدوريات الأوروبية القوية. صيف “اشتعل” مبكرا بمنافسات عالمية كبرى.

كانت ضربة البداية بمونديال الشباب الذي يعدّ لدى البعض أبرز منافسة من أجل الظفر “بصيد ثمين” للمستقبل.

تواصلت عجلة التظاهرات الدولية الهامة في الدوران، حيث أعطيت فجر السبت ضربة بداية منافسات كوبا أميركا 2019 التي تقام في البرازيل. هي بلا شك بطولة مغرية تستهوي كعادتها دائما عشاق الكرة الجميلة والفرجة الرائقة.

المواعيد الممتعة لن تتوقف في هذه الصائفة المتقدة “حماسا”، فبعد أقل من أسبوع سينطلق العرس الأفريقي القوي، ستجرى منافسات كأس أمم أفريقيا في مصر.

هي دورة ستمثل سابقة في تاريخ البطولة بما أنها ستقام لأول مرة في الصيف وتحديدا في شهر يونيو عوضا عن إقامتها كما جرت العادة في بداية العام، البطولة ستشهد أيضا لأول مشاركة 24 منتخبا عوضا عن 16 منتخبا.

لكن في زخم هذه البطولات القوية وفي عز حرارة هذا الصيف الكروي المفعم بالنشاط، جلبت باريس عاصمة الأنوار الفرنسية الأضواء. لقد أطلت أعناق بعض عشاق الكرة الجميلة هناك.

فثمّة حفل نسائي جميل. ثمة بطولة قوية تستهوي المولعين بكرة القدم، هناك تقام منافسات كأس العالم للسيدات التي تجرى مرة كل أربعة أعوام تماما مثل كأس العالم للرجال.

هي بطولة مختلفة تماما، بل هي منافسات ربما تخرج عن المألوف، فعكس منافسات الرجال التي تتسم عادة بالخشونة والقوة البدنية، فإن بطولة العالم للسيدات فيها الكثير من الجمال والسحر.

من يتابع بعض مباريات هذه البطولة ربما يدرك هذا الأمر، حينها ستكون في حضرة “الفاتنات والساحرات”، ستكون في حضرة لاعبات رائعات يقدمن عروضا ممتعة تستهوي المرء وتجبره غالبا على متابعة المباراة إلى آخر لحظاتها.

في السابق وأثناء نشأة كرة القدم النسائية، كان الأمر يقتصر أساسا على ترغيب الفتيات في ممارسة كرة القدم، وكان الهدف الأساسي تشجيعهن على تعاطي رياضة ظلت لعقود طويلة حكرا على الرجال فقط.

لكن مع مرور السنوات بدأت الأمور تتغير شيئا فشيئا، فالكرة النسائية مرت من طور الهواية إلى مرحلة الاحتراف، لقد تخطت العديد من العوائق وأصبحت البطولات الكبرى تضاهي في مستواها مستوى بعض بطولات الرجال.

الأمر أصبح يدعو حقا إلى المتعة والمتابعة، ومن يشاهد هذه المنافسات يدرك حتما ذلك السحر والتأثير القوي للاعبات ملأن الملاعب بهجة وقوة وتنافسا محتدما يؤكد صواب توجهات الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي حرص طيلة السنوات الماضية على توفير كل أسباب النجاح أمام كرة القدم النسائية.

ومنذ انطلاق هذه البطولة العالمية منذ حوالي ثلاثة عقود وتحديدا سنة 1991 بدأ واقع الكرة النسائية يتغير ويتسلق السلم رويدا رويدا، بحثا عن مكان دافئ وملاذ آمن، بهدف مقارعة الكرة الرجالية رغبة في تحقيق النجاح والتألق.

ربما كانت مسيرة هذه العقود الثلاثة متواضعة في نظر البعض، والسبب في ذلك يعود إلى عقد مقارنة بين الكرة النسائية مع نظيرتها الرجالية، فما حققته ولا تزال الكرة الرجالية من تطور على جميع المستويات يجعل كل مقارنة لا تستقيم.

فالمنافسات الرجالية تخطت كل الحدود في كل المجالات، فاليوم أصبحنا نتحدث عن عائدات بأرقام فلكية. اليوم بتنا نتحدث عن انتقالات بمبالغ خيالية. اليوم أيضا تضاعف عدد المتابعين بشكل صاروخي.

أما في الطرف المقابل فإن الكرة النسائية ظلت تسير بخطى شبّهها البعض بخطى “السلحفاة”، بيد أنها كانت خطى ثابتة وواثقة، وغير متسرعة.

ربما ساهم ارتفاع نسبة عدد المتابعين لكرة القدم في ارتفاع عدد الفتيات الراغبات في كسر احتكار الرجال لهذه اللعبة، فتضاعف عدد ممارسات كرة القدم، وزاد الاهتمام بها في عدد كبير من الدول ليتم تنظيم بطولات ودوريات تقام كل موسم.

لقد أصبحت هناك قاعدة شعبية للكرة النسائية خاصة في عدد من البلدان الأوروبية التي ما فتئت تولي اهتماما متزايدا لهذه اللعبة من خلال توفير كل الظروف الملائمة التي تساعد على تنظيم بطولات قوية.

لقد وقع الاستثمار في العنصر النسائي للتأكيد على أن كرة القدم ليست سوى ظاهرة كونية حياتية تمس كل البشر دون استثناء، وربما لم يخطئ من قال إن كرة القدم هي “أفيون الشعوب”.

لم تعد كرة القدم بعد حكرا على الرجال، والإبداع لم يعد أيضا حكرا على النجوم، بل إن السماء تتسع للجميع والنجمات القادمات قادرات على خطف الأضواء.

من يتابع بطولة العالم للسيدات حاليا يدرك حتما هذا الأمر، فأغلب المنافسات قوية والعروض المقدمة تضاهي أحيانا ما يقدمه لاعبو الصف الأول.

أهداف جميلة، ولوحات كروية رائعة، التزام خططي واضح ورغبة شديدة في الفوز، هي مميزات أغلب المباريات التي تميز هذه البطولة.

تنافس قوي بين المنتخبات التقليدية مثل منتخبات البرازيل والولايات المتحدة الأميركية واليابان وألمانيا وكذلك فرنسا البلد المنظم.

أتعلمون مدى هذا التطور الذي تعرفه كرة القدم النسائية؟، ربما يكفي معرفة أن الدوري الفرنسي للسيدات تم بيع حقوق بثه تلفزيونيا بمبلغ مالي هام يؤكد هذا التطور، ويثبت أن لكرة القدم وجها آخر يحمل ملامح جميلة لسيدات بدأن يجذبن الأضواء بفعل سحرهن الكروي الفاتن.

23