في حقله البعيد

الاثنين 2017/10/30

رسام صيني في نيويورك، ليس حدثا استثنائيا، أنا على يقين من أن الآلاف من الرسامين الصينيين مروا بهذه المدينة العالمية التي صارت بعد الحرب العالمية الثانية المركز الأول للفنون.

ومن المؤكد أن من بينهم عشرات قد اتخذوها وطنا ثانيا لهم، نيويورك مدينة ليست طاردة بالرغم من تعاليها وزهوها وهي على حق في ذلك، غير أن الرسام المسن الذي رأيته في إحدى زوايا الحي الصيني كان له شأن مختلف عمَن سواه.

لقد اتخذ الرجل من تلك الزاوية مرسما ثابتا له في الهواء الطلق، محاطا برسومه التي تتميز ببساطة خطوطها، كان يجلس بتواضع على الأرض منهمكا في العمل الذي اتخذه مهنة له منذ فجر شبابه.

أن يرسم كائناته المستلهمة من الطبيعة والحياة وأفلام الرسوم المتحركة، لم يكن ذلك الرسام الذي يُعتد بمهاراته التقنية أو بقدرته التعبيرية أو بخياله.

موهبته الحقيقية تكمن في الظاهرة التي صنعها وصارت جزءا من الحي الذي هو نسخة أميركية من ذلك البلد البعيد، لا تذكر رسومه بالرسم الصيني الذي نعرفه من خلال الدقة والشفافية والإيحاء الشاعري، فالرجل قرّر كما يبدو أن يكون ابن لحظته الأميركية، وهي لحظة مسرعة، بل وخاطفة لا تتسع للتأمل والإصغاء إلى همس الأشياء.

وهو قرار قد يبدو بالنسبة للبعض مبتذلا، غير أن وجود رسام في ذلك الحي المكتظ بالمطاعم ومخازن الأغذية يهب الرجل مكانة تجعل الموقف من مستوى رسومه أمرا غير ذي أهمية.

الصيني الذي ربما يكون على مشارف التسعين من عمره، لا يفكر كثيرا في موقف الآخرين من رسومه، بقدر ما تهمه متعته وهو يؤدي واجبه اليومي، رساما في الشارع ينظر إليه الزائرون باعتباره واحدة من علامات المدينة التي غزت العالم بأيقوناتها المستلهمة من العصر الذي اخترعته، ليكون مناسبا لفكرتها عن العيش.

حين وقفت أمامه لأصوّره لم يلتفت إليّ وهو ما يفعله المشاهير عادة، إنه الرسام الوحيد الذي لا ينافسه أحد.

كاتب عراقي

16