في حياتي مشكلة ما كان من الممكن أن تحل إلا بهذه الطريقة

ما الذي يدفع المبدع، كاتبا أو شاعرا أو رساما أو غيرهم من المبدعين، إلى إنهاء حياته؟ سؤال يظل جاثما على الأذهان حول اختيار مبدعين لنهاية قاسية، رغم أنهم أكثر الذوات هشاشة. قرأنا رسائل وداعهم، تلك التي قد لا تتجاوز جملة واحدة، تأثرنا حزنا او حتى ضحكنا، وسيبقى السؤال كأبدية تعتصر أذهاننا وقلوبنا: لماذا؟
الاثنين 2015/09/28
كاريزما الشاعر مصطفى محمد بقيت بعد رحيله منتحرا

لم يكن الشاعر السوري مصطفى محمد (1979- 2006) قد بلغ السابعة والعشرين من العمر، وهو في ذروة إبداعه الشعريّ، حين قرّر أن يُنهي حياته بطريقة غاية في القساوة، إذ ألقى بنفسه من بناء عال، إلى ذلك الحيّز الضيّق والمعتم في الآن معا، الفاصل ما بين عدّة بنايات متجاورةٍ، ويسمّى “المَنوَر”.

“في حياتي مشكلة، ما كان من الممكن أن تُحل إلاّ بهذه الطريقة”، هذه العبارةُ هي آخر ما كتبه الراحل، وُجِدت في جيبه، مدوّنة على قصاصة ورقية.

مصطفى الشاعر المرهف، لم تكن الابتسامة تُفارقُ وجهه، وعدا نبرة صوته الحميمة وأدائه العالي لقصائد له وأخرى لشعراء آخرين يحفظها عن ظهر قلب إضافة إلى ثقافته النقدية الرصينة، كان يتحلّى بكاريزما خاصة جعلت كل من يلتقي به يُحبّه وينسى أنّ هذا هو اللقاء الأوّل الذي يجمع بينهما.

بدأ مصطفى، قبل عقد من الزمن أو أكثر من سنة رحيله، بكتابة القصيدة العموديّة كباقي مجايليه من الشعراء الشباب آنذاك، مثل أمير الحسين وأُميد حج عبدو وآخرين، ممّن شاركهم الأمسيات والمهرجانات الأدبيّة في عدد من المدن السوريّة، إلا أنّه سرعان ما تحرّر من حدود قصيدة الشطرين وأوزانها والنبرة الخطابيّة الصارخة إلى قصيدة التفعيلة ذات الوزن البسيط والسهل الممتنع من العبارات، والزاخرة بعوالم إيمائيّة في صياغةِ مشاهد مذهلةٍ وغاية في البراعةِ والذكاء.

تميزت قصائد مصطفى محمد إضافة إلى عمق الرؤى، المتجهة نحو الإنسانية برهافة، بالنَفَسَ المديد في المطوّلات التي كتبها تلك الفترة، ويمثّل هذا الاتجاه مجموعته “النصف الآخر لدائرة دوّار الشمس”، ليتحوّل في ما بعد عن القصائد الموزونة نهائيّا ويبدأ مرحلة جديدة.

بَدَت لغة محمد خافتة أكثر ممّا ينبغي، تدنو من الهمس والتأمّل العميق في الوجود والأشياء والموجودات، فكانت مجموعته النثريّة “أبواب تتهيّأ للخروج”، المختلفة كليّا عن سابقتها، في اقترابها من الهمّ اليوميّ والتفاصيل المعيشة العابرة، عدا الرؤية الفلسفية التي اتسمت بها قصائد هذه المجموعة، سواء من جهة تناولها لكل ما هو حميميّ وإدخال مفردات جديدةٍ إلى متنها، وكذلك اعتمادها المفارقات والتضاد، أو من حيثُ أنها أخذت منحى جديدا لديه من حيثُ نمط الكتابة القصير والجمل الشِعريّة المكثّفة والمقتضبة، فكانت كل قصيدة على شكل كتلة واحدة متماسكة، لتتداخل الأجواء والمناخ العام للقصائد في ما بينها، وكأنّ المجموعة عبارة عن قصيدة واحدة في صيغة اسكيتشات أو مقاطع متتالية.

القصيدةُ التي كتبها مصطفى، كانت مرآة حقيقية لما عاشه من التفاصيل اليوميّة التي اشتغل عليها بإتقان، تنقّل من خلالها ما بين الهمّين العام والخاص، فكان، الصدقُ في القول، السمة الأبرز لتلك القصائد.

هذه السنة، كما في كلّ سنة، تمرُّ بصمتٍ الذكرى التاسعة لرحيل الشاعر مصطفى محمد دون أن ترى أعماله الشِعريّة النور بعد، لتركن قصائده إلى غبار الأدراج المعتمة، وتبقى تجربته طيّ النسيان.

مصطفى محمد الشاعر الذي بكيناهُ جميعا، دونَ شكّ، ونفتقد اليوم -أكثر من ذي قبل- ابتسامته الحميمة ونظرته الزائغة ونبرته الحنونة، شاعرٌ منحنا الدافئ من المشاعر وجعلنا نشعر أنّ الشِعر هو الفنّ الروحيّ الأقرب إلينا، لكنّه سرعان ما خيّب آمالنا وترك فينا الغصّة تنمو، وجرحا عميقا.

ولد الراحل في “علي كوراني”، إحدى قرى مدينة الحسكة بالشمال السوري، من عائلةٍ كرديّةٍ. درس في مدارس مدينته المراحل الدراسيّة الثلاث، لينتقل من ثمّ إلى مدينة اللاذقيّة ويدرس هناك في جامعة تشرين (كلية الآداب، قسم الأدب العربي). شارك في أمسيات شِعريّة في مدن مثل الحسكة والقامشلي وعامودا، كما نشر قصائده في البدء في صحيفة الثقافة الأسبوعيّة الدمشقيّة لصاحبها مدحت عكاشة.

وفي الخامس والعشرين من أيلول 2006 رحل الشاعر في مدينة حلب وشيّع جثمانه إلى مسقط رأسه، ليدفن في مقبرة الصالحيّة في الأول من تشرين الأول، تاركا لأهله وأصدقائه وطفله الوحيد عددا من المخطوطات الشِعريّة، من بينها، واحدة بعنوان “النصف الآخر لدائرة دوار الشمس”، وأخرى بعنوان “أبواب تتهيّأ للخروج”.

15