في خدمة الجمال

الاثنين 2016/10/03

مثلما اكتشف الفرنسي كلود مونيه حدائقه المائية في نهاية حياته، فإن عبقري الرسم العراقي سالم الدباغ سيظل مشدودا إلى عالمه الفاتن الذي بدأ بتشييده في منتصف ستينات القرن الماضي.

مثل مونيه تماما، إذ أنه لو لم يفعل أيّ شيء آخر، فكل ما كانت تجود به يداه سيكون جميلا؛ لقد رأى ابن الموصل العالم مشدودا مثل حبل بين الأبيض والأسود، يبتسم بضنى حين نذكره بالألوان الأخرى.

يمكنه أن يقول “في إمكانك أن ترى حدائق مونيه من غير أن تحتاج إلى ألوانها”، هناك فكرتها التي يغطي عطرها على كل شيء، سحر أجنحة الملائكة وهي تضرب الماء بخفة، وهو ما يقع فعلا في رسومه.

تعيدنا رسوم الدباغ التجريدية إلى عالم نعيشه ولسنا بصدد مغادرته يائسين من فتنته؛ فما يرسمه الرجل هو أقرب إلى الانطباع، انطباع روحي لن نغادره بيسر.

هناك مَن يفكر من أجلنا، من أجل أن ننعم بترف وهدأة وسعة عيش؛ يفكر بطريقته الخاصة، مثل مونيه تماما فإن الرسام العراقي يضع مسلماته البصرية أمامنا من غير تعقيد.

“فقط عليكم أن تنظروا وسيهبط عليكم الإلهام الذي ارتفع بي عن الأرض”، لن تكون تلك رسالة ميسرة، أنصتوا إلى عيونكم وما ترى، بعد ذلك نذهب إلى القلب، ففي دقاته ما يطمئن بأن الحياة لا تزال ممكنة؛ لقد راهن الدباغ ومن قبله مونيه على العين قبل القلب.

الرسم مغامرة بصرية، تملك أصابع الرسام الجزء الأكبر من خيال تلك المغامرة؛ في لحظة يبلغك الرسم بأنك ترى ما لا تستطيع رؤيته، ويشبع الرسم رغبتك في أن تكون إنسانا خارقا.

ليس من اليسير أن نتصل بالجمال باعتباره صديقا، أخوّة الجمال هي أعلى المراتب التي يمكن أن يصل إليها الإنسان، يُؤاخينا الرسم بالجمال، كما لو أنه يكشف عن الجانب الذي لم نكتشفه في أنفسنا؛ يضعنا سالم الدباغ مثلما يفعل الرسامون الكبار في المكان الذي نكتشف من خلاله جمال أرواحنا.

كاتب من العراق

16