في خطورة عدم استيعاب تطورات الأزمة الليبية

الأربعاء 2016/08/17

يشكل تمدد الخلايا الإرهابية داخل ليبيا تحديا أمنيا ومعضلة جيوسياسية تقض مضجع دول الجوار، والمؤكد أنه لن تحد من تلك المخاطر المركبة والمتناسلة الحرب التي دشنتها القوات الموالية لحكومة الوفاق على معاقل تنظيم داعش الليبي بسرت، وتلك التي قامت بها قوات الجيش الليبي مؤخرا على مواقع الجماعات الإرهابية في منطقة قنفودة ومصيف المعلمين وقرية المجاريس.

والواقع أن الحملة التي قادتها قوات “البنيان المرصوص” ومهدت لها القوات الجوية الأميركية تعتبر مكسبا مؤقتا لكون دحر الدواعش من سرت لن يخلي البلاد من خطر وجودهم، حيث أن خطورة التنظيم تكمن في اعتماده على خلايا عنقودية منفصلة وبقيادات ذاتية تزيد من صعوبة مراقبتها وتعقبها.

لكن التدخل الأميركي ضد داعش بسرت أعاد مسألة الشرعية إلى المربع الأول، حيث ارتفعت أصوات تشكك في الحكومة التي يقودها فايز السراج في طرابلس، ومن الواضح أن مقاتلي داعش والميليشيات المسلحة سيستغلون هذه الوضعية وأي رخاوة على الحدود الممتدة على الآلاف من الكيلومترات، وستسعفهم حالة اللادولة بليبيا كي يعيدوا تشكيلاتهم.

ورغم أن الضربات الجوية سوف تساعد على الحد من تمدد داعش بليبيا إلا أنها لن تقضي عليه نهائيا، إذا لم يصحبها تحرك قوات على الأرض منظمة ومسلحة جيدا وتأتمر من غرفة عمليات واحدة وقرار موحد، ولنا في سوريا والعراق صورة لما يمكن أن يكون عليه الوضع في ليبيا رغم الاختلافات المناطقية والجيوسياسية.

من دون دعم أساسي دولي وإقليمي للعملية السياسية والجهود المتواصلة لإعادة الأمن والاستقرار ستتحول ليبيا إلى بؤرة خطيرة للإرهاب تهدد كامل المنطقة. وفي الواقع يجب الخروج من مجرد التحذير من خطورة الوضع الليبي، إلى ضرورة الشروع في رسم إستراتيجية جدية وواقعية لتطويق مسببات الأزمة السياسية والاجتماعية، وهي خطوة أساسية لاستئصال جرثومة الإرهاب الداعشي والقاعدي وغيره.

إن تحقيق الأمن والاستقرار بمنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط ودول المنطقة يحتم ضرورة دعم المجتمع الدولي لحكومة وحدة وطنية، من دون القفز على مصالح دول إقليمية وتجاوز أمنها القومي، بالإضافة إلى توفير التدريب والسلاح للمؤسسات الأمنية الليبية وتأهيلها حتى تتمكن من القيام بدورها في فرض الأمن بالداخل ومكافحة الجماعات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم داعش فوق كامل التراب الليبي وليس في سرت فقط.

يشار إلى أنه سبق لرئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر، أن وصف في أبريل الماضي الوضع في ليبيا بأنه معقد وفوضوي. وهذه الوضعية الفوضوية لازالت سارية إلى الآن بل تذكيها بقوة انقسامات سياسية حادة بين الفرقاء السياسيين، وصراعات الميليشيات المسلحة التي يتجاوز عددها 300 ميليشيا، ويزداد هذا الواقع استفحالا مع ضعف الدولة وانهيار مؤسساتها وانعدام القرار السياسي الموحد.

تناقضات المشهد الليبي الداخلي سترخي بظلالها بلا شك على المنطقة بأسرها، وتصب في التمهيد لتدخل غربي تحت البند السابع. فضربات الولايات المتحدة الجوية التي باركتها حكومة السراج ضد معاقل داعش في مناطق متعددة بليبيا وأخيرا بمدينة سرت أتت تحت غطاء محاربة الإرهاب، في المقابل كان لقاء الفريق خليفة حفتر بالمسؤولين الروس في شهر يوليو الماضي محاولة منه لموازنة الضغط الغربي والأميركي على الليبيين والبعض من دول الجوار في اتجاه كبح جماح التدخل العسكري المباشر، لما له من تداعيات سلبية وخطيرة على المنطقة ككل يمكن أن يتكرر معها سيناريو العراق وسوريا وأفغانستان.

والآن أعين قادة داعش مركزة على إيطاليا كبوابة جنوبية نحو مجموعة من الدول الأوروبية، والأخطر هو أن قيادات داعش ليبيا تنتمي إلى جغرافيا المنطقة المغاربية، وتتحدث المعطيات عن أن رأس المهددين لأمن جنوب أوروبا هو التونسي المدعو أبونسيم الذي انتقل من سوريا إلى ليبيا وأصبح قائدا في التنظيم منذ 2014. هو تطور يضع الكل أمام خطر مزدوج؛ الأول تمكين القيادة لأبناء المنطقة هو خطة إستراتيجية تساعد في استقطاب أكبر عدد ممكن من الجهاديين وإعادة تشكيلهم ضمن تحالف أكبر بشمال أفريقيا، والثاني انتقال ليبيا من منطقة تدريب وتصدير للجهاديين نحو الشرق الأوسط، إلى مركز التخطيط والقرار للتنظيم بالمنطقة القريبة من أوروبا.

كل العوامل والمحددات التي تزيد من تصاعد الوضعية الخطيرة بليبيا متوفرة بشكل كبير، فهناك حكومتان بسلطتين تشريعية وتنفيذية، وميليشيات مسلحة وقوات عسكرية متنازعة في ما بينها، وهناك أيضا تنافس قبلي يدعم هذا الاتجاه أو ذاك، وكذلك صراع المصالح بين قوى أجنبية غربية وإقليمية، إلى جانب تراجع كبير في صادرات النفط انعكس على الوضعية الاقتصادية للبلد، إضافة إلى تحدي تواجد اللاجئين والمهاجرين داخل ليبيا خصوصا القادمين من أفريقيا.

في المقابل هناك من يدفع في اتجاه دعم القيادة العسكرية المشتركة التي شكلها المجلس الرئاسي الليبي بقيادة فايز السراج لمواجهة تنظيم داعش، كحل يصب في إطار توحيد الجهود بين الأطراف السياسية والعسكرية الداخلية، شرقا وغربا، لتقويض الجماعات المسلحة ومحاربة التجارة غير الشرعية للأسلحة والبترول.

الحرب على الإرهاب داخل ليبيا لا يمكن أن تبقى مقتصرة فقط على العمليات العسكرية، بل لا بد من التركيز أولا على إيجاد صيغة لبناء هيكل مؤسساتي تحت قيادة موحدة لاستخلاص المعلومة الاستخبارية والاستفادة منها في ما يخدم إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وترسيخ شعبية الحكومة عبر تمكينها من السيولة المالية، بدعم البنك المركزي الليبي، وتحرير الأصول الليبية المجمدة داخل أوروبا.

هي بلا شك معادلة يصعب أن تتحقق فوق أرض تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية، ويعمل فوقها عدد من الأجهزة الاستخبارية المختلفة، الشيء الذي يجعل عملية ضمان سيطرة جهة واحدة على القرار الليبي، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، والوقوف ضد الإرهاب والفوضى والانهيار الاقتصادي، عملية شبه مستحيلة في الوقت الراهن.

كاتب مغربي

8