في خمسين الخامس من يونيو

الاثنين 2017/06/05
نكسة ولدت نكسات

كنت في العشرين عندما قطع الضجيج الإعلامي للحرب الامتحانات المدرسية. وذهبنا إلى مسار آخر كانت المنطقة تنتظره منذ عقدين. لكن الوقائع جاءت على غير ما انتظره واشتهاه الكثيرون.

مثل فيلم تسجيلي قصير بدأت الحرب وانتهت دون أن ندري وقبل أن نفيق من الصدمة. لم تغب عنتريات “صوت العرب” والبلاغات الكاذبة المذيلة باسم وزير الدفاع حافظ الأسد، حتى أطلّ علينا جنود البعث وضباطه من الروابي الجنوبية لمدينتي قطنا حفاة عراة ومعفرين بالعار والغبار.

خلع الضباط منهم رتبهم العسكرية، وامتطوا الدواب من القرى المجاورة، حتى لا يرهق المسير أقدامهم المرتجفة المهزومة. قليل من الجنود يحملون سلاحهم الفردي. تلقى البعض منهم تقريعا من زملائه وقادته على فعلته هذه، فأصول الهزيمة أن تكون كاملة وعارية.

يرنو إلى أذني صدى أصوات تقول “قتل الجميع، ولم يبق غيري وغير قائد الكتيبة. دخل علينا الإسرائيليون من كل الجهات، ولم ينج غير قائد اللواء ومرافقوه. جاءنا الأمر العسكري، انسحاب كيفي دبِّر راسك تدمر كل شيء، ولم نعد نرى أحدا”، هذه الأقاويل وأمثالها سمعها الناس من الجنود المنسحبين، ليكتشفوا بعدها أن لا شيء من ذلك حصل باستثناء أوامر الانسحاب.

لم يكن بوسع الشعب أن يقبل أو يتحمل هذه الصدمة. حملنا السلاح المخزون في الجيش الشعبي منذ عقود. بنادق 1936 الفرنسية، ساموبال تشيكي عفا عليه الزمن، وأخرج بعضهم من البيوت بنادق الصيد.

تجمعنا في ظاهر المدينة الجنوبي الغربي، حيث يتوقع أن تصل إليها جحافل الإسرائيليين الذين تحدث عنهم الجنود المنكسرون. حفرنا الخنادق والحفر الفردية للتمترس والدفاع عن المدينة. لحقتنا النساء يحملن الماء والغذاء للمدافعين الجدد. هبّة وطنية تلقائية وساذجة من شعب سوري لا يعرف حقيقة ما يجري باستثناء الهزيمة الساطعة.

الماكينة السياسية والإعلامية الدولية في كل من مصر وسوريا أشبعت الناس وهما بالاقتدار وحتمية النصر، واستسهلت تحرير فلسطين ورمي إسرائيل في البحر

كان ما يقال همسا، ويجري تداوله مواربة لا يصدّق، أو لا يريد الناس تصديقه. فالماكينة السياسية والإعلامية الدولية في كل من مصر وسوريا أشبعت الناس وهما بالاقتدار وحتمية النصر، واستسهلت تحرير فلسطين ورمي إسرائيل في البحر. وشهوة الانتصار المزمنة جعلت الناس تسقط في غوغائية السلطات، وها هي تواجه حقيقة الهزيمة المرة.

بقينا على هذا الوضع حتى اليوم السادس من الحرب التي كانت من جانب واحد. وانتظرنا دون جدوى وصول الإسرائيليين، وقد أصبحوا على بعد كيلومترات من المدينة في قرية سعسع.

فرغت رؤوسنا من الأحلام والأكاذيب، وبقيت جيوبنا محشوة برصاصات لا فائدة منها. لم نر ظلا للسلطة وجنرالاتها وحرسها القومي وفرسانها من “الرفاق” والقادة والتابعين. ومازلنا نتقلب بين الآمال الكاذبة والخداع المكشوف، تفضحنا دهشة الوجوه وتساؤلاتها المرة، حتى سمعنا صوت عبدالناصر.

لفيف من الشباب والشابات، نحمل رؤوسا محشوة بدروس الكتب والقومية العربية، بحلم فلسطين وشوق النصر، ونحمل بنادق محشوة بالفراغ والخيبة. تجمعنا فوق أطلال متاريسنا الساذجة، نسمع خطاب الهزيمة ممن كان معقد الأمل والرجاء وصاحب الكلمة الفصل في “تحرير فلسطين”.

تحدث الرجل بصدق وصراحة غير معهودتين. فانهمرت دموعنا حتى غسلت البنادق التي نحمل. هو العري والعار في وقت واحد، وهذا مستجلب للدموع.

أجيال كاملة ولدت بعد هذه الوقائع. وحبر كثير سال على الورق في التسجيل والتوصيف والتحليل.

لكنّ أحدا لم يستطع الإجابة عن سؤال صعب مثل مخرز في العين: كيف لمن صنع هزيمة بهذا الحجم وخيانة بهذا الافتضاح أن يصبح رئيسا للجمهورية؟ وكيف لزمرة قادت البلاد والعباد إلى التهلكة أن تصبح “نخبة وطنية” و”الحزب القائد للدولة والمجتمع”؟ هل يحق بعد ذلك لسائل أن يسأل عن جذور المحنة السورية الجارية؟

كاتب سوري

5