في ذكراها الثلاثين.. الانتفاضة الفلسطينية سلاح "الأقوياء" لصنع السلام

باغت الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشارعين الفلسطيني والعربي بإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل، وشكل القرار انتهاكا للشرعية الدولية، كما أجهض بذلك كل محاولات صنع السلام والجهود الأممية والعربية لإنهاء الصراع على شاكلة حل الدولتين، حيث تمكن الرئيس الأميركي ذو التوجه اليميني المتطرف وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من استغلال انشغال المنطقة العربية بمواجهة الدور التخريبي لإيران، والحرب ضد داعش، وانقسام الداخل الفلسطيني، للتجرؤ والنيل مجددا من حقوق الشعب الفلسطيني وأرضه، وهي خطوة تكشف أن مسار التفاوض في القضية الفلسطينية كان عبثيا ولم يعد مجديا، ومع حلول الذكرى الثلاثين لانتفاضة الحجارة عام 1987، تحتاج القدس والمنطقة العربية ككل إلى انتفاضة جديدة تضع حدا للانحياز الأميركي، لتضمن للشعب الفلسطيني حقه في العودة وتقرير مصيره بإقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية ضمن حدود عام 1967.
الاثنين 2017/12/11
القضية لم تعد بحاجة إلى مفاوضات بل إلى انتفاضات

شكل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالإعلان عن نقل سفارة بلاده إلى القدس باعتبارها “عاصمة إسرائيل” عدوانا سافرا ضد شعبنا وحقوقه ومقدساته، وفي مقدمتها حقه الطبيعي والأصيل باعتبار القدس عاصمة دولته العتيدة فلسطين، وكونها أيضا جزءا لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة بقوة العدوان الإسرائيلي الغاشم.

ويبدو أن هذا القرار العدواني هو القشرة العليا الرقيقة من قمة جبل الجليد الذي تعده هذه الإدارة ضد شعبنا وحقوقه، فيما تسميه بصفقة القرن، والتي هي في واقع الأمر تصفية لحقوقنا الوطنية لصالح اليمين الإسرائيلي والأميركي المتطرف.

إن إدعاء ترامب وبعد إعلان قراره المشؤوم بتمسكه بـ”المرحومة” التي أطلق عليها رصاصة الرحمة، والتي كانت تسمى التسوية السياسة، وجنينها المجهض والذي كان يعرف بحل الدولتين “إن اتفق عليه الطرفان”، ومن بعده تمسك رئيس حكومة اليمين والنهب الاستيطاني التهويدي للقدس وغيرها بنيامين نتانياهو بتعنته، يشكل في الواقع استمرارا هزيلا في دراما سوداء، لم تعد تنطلي على أي طفل فلسطيني وباقي الشعب.

لم يكن لترامب ونتنياهو أن يتصدرا مسرح الدراما السوداء وعملية السطو والنصب السياسي الدولي هذه، لولا حالة التمزق العربي والفلسطيني

لم يكن لترامب ونتنياهو أن يتصدرا مسرح الدراما السوداء وعملية السطو والنصب السياسي الدولي هذه لولا حالة التمزق العربي والفلسطيني، وانشغال العرب في صراعاتهم ليس على حساب كرامة ومستقبل شعوبهم فقط، بل وعلى حساب دماء وأرواح فقراء هذه الشعوب أيضا، وكل ما يحاك ضد المنطقة برمتها من مخططات، ناهيك عن حالة الانشغال والضعف الفلسطيني، واستمرار حالة الانقسام والصراع على السلطة، التي باتت عبئا على أصحابها، قبل أن تتحول إلى عبء على شعبها ومستقبله ومشروعه الوطني.

فلولا حالة الانقسام وما ولدته من وهن وارتباك وتيه في البوصلة الوطنية، بما في ذلك تخلي القيادة عن دورها ليس فقط في قيادة المشروع الوطني الذي من المفترض أن تقوده منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها ائتلافا جبهويا وجرى للأسف تفريغه من كل مضامينه، بل وأيضاً عن دورها في توفير الأمل وعوامل الصمود، لتمكن الشعب من حماية حقوقه وتعزيز قدرته على مواجهة المشروع الاستيطاني، لولا ذلك وغيره من الإمعان في عملية الإقصاء والهيمنة والتفرد، لما تجرأت حكومة نتنياهو الاستيطانية على توغلها غير المسبوق في عملية نهب الأرض وإطلاق العنان لتهويد القدس والمقدسات والتسارع المحموم في محاولة “حسم معركة الحلم الصهيوني باستكمال إلغاء رواية وجودنا على هذه الأرض وفي هذه البلاد”.

إنهاء الانقسام الفلسطيني

الملفت، وللأسف الشديد، ما يصدر من تصريحات قادة طرفي الانقسام والتي تدعو وتركز على ما تسميه “ضرورة إتمام المصالحة لمواجهة التحديات الخطيرة التي تواجه قضيتنا الوطنية”، وكأن من يغذون هذا الانقسام ويمنعون المصالحة هم أبناء شعبنا المحاصرون من الاحتلال أو المعاقبون من سلطتهم الوطنية في قطاع غزة أو الذين تدمر بيوتهم وتصادر أرضهم في القدس وسائر أرضنا المحتلة، فهولاء هم الذين يدفعون يوميا ثمن الاحتلال من دماء وحرية أبنائهم، كما يدفعون ثمن الانقسام من مستقبلهم، ولم يعد بإمكانهم احتمال المزيد، لسان حالهم هو كفى.

فإن كنتم لا تستطيعون مراجعة هذا المسار العبثي تمسكا بمصالحكم الخاصة التي تتزايد على حساب مصالح الشعب، فلا حاجة لنا بكم، أعطيناكم الفرصة تلو الأخرى للدفاع عن دوركم الطبيعي في حماية الشعب وحقوقه، ومع ذلك فنحن مستعدون لأن نقدمها لكم مرة أخرى، إن عدتم للشعب ومصالحه ومتطلبات صموده، بدءا بضرورة إنهاء الانقسام، وليس الاستمرار بالدعوة إلى هذا الأمر وتحويله إلى مجرد سلعة بالية.

العالم يستشعر خطر "الترامبية" على السلم

فما يحتاجه شعبنا وقضيته، التي ستظل حية، يبدأ بمراجعة هذا المسار الذي بات عبثيا ولا وظيفة له سوى حماية مصالح المصرين عليه “فالحياة لم تعد مفاوضات”، وربما باتت بحاجة إلى “انتفاضات”.

إن الرد الأساسي والوحيد على هذا العدوان الأميركي الإسرائيلي على القدس ومقدساتنا وحقوق شعبنا الثابتة في المدينة المقدسة يستدعي وقف كل المهاترات والألاعيب التي تعترض مسيرة المصالحة والوحدة من طرفي الانقسام، والبدء الفوري بإجراءات تشكيل حكومة وحدة وطنية تتصدى لكل مهماتها المعلومة للجميع، وفي مقدمتها تعزيز وحدة شعبنا ومؤسساته ومقومات صموده على أرضه، والنهوض بقدرته على المواجهة وإسقاط مؤامرة تصفية قضيته وحقوقه، والدفاع عن عروبة القدس ومقدساتها ومكانتها وتاريخها كحاضنة لتعايش الحضارات والثقافات والأديان.

نعم، إنها القدس الباسلة التي أعطت قبل شهور قليلة دروسا في الوحدة والتنظيم والصمود والثبات، أعادت فيها روح الانتفاضة الكبرى عام 1987، وطرحت تحديات ومهمات ما زالت تنتظر من يدعمها سواء من قبل منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الوطنية وباقي مؤسسات شعبنا وحركته الوطنية.

ويتمثل الدور التاريخي للقيادة في صنع الأمل بالنصر وتوفير عوامل بلوغه، وإن ترددت أو عجزت عن هذه المهمة، فليس أمامها لحماية منجزات شعبها سوى توفير بيئة تمكنها من تسليم الراية لقيادة شابة قادرة على أن تحمى نضال وتراث وإنجازات شعبنا وثورته وانتفاضاته وكرامته وليس تبديدها.

وفي تقديري أنه ما زال بإمكان القيادة الفلسطينية وعلى رأسها السلطة الفلسطينية محمود عباس أن يقود وبنفسه هذه المراجعة بعقلانية وشجاعة ويقطع بصورة نهائية مع النهج الذي ثبت عقمه، لما ألحقه من أَذى بقضيتنا، ذلك ليس فقط على صعيد مسار أوسلو الذي قتله نتنياهو وأصدر ترامب شهادة وفاته، بل وأيضا على الصعيد الداخلي، وليس فقط بإعادة الاعتبار للائتلاف الوطني والتمثيل الذي جسدته منظمة التحرير الفلسطينية بجميع فصائلها وقواها السياسية والاجتماعية المناضلة ضد الاحتلال، بل والتقدم بشجاعة بوقف احتكار القيادة من قبل فصيل أو زعيم مهما علا شأنه وتكريس الشراكة الوطنية بالمضي قدما في مسيرة الوحدة دون تباطؤ، وأن يدعو اليوم قبل الغد، بل و يترأس شخصيا اجتماعا طارئا وفوريا للإطار القيادي المؤقت في القاهرة بحضور جميع أعضاء اللجنة التنفيذية وقادة جميع القوى بما في ذلك حركتا حماس والجهاد ورئاسة المجلس الوطني.

وستنجم عن ذلك أولا إعادة اعتبار لدور ومكانة المنظمة كائتلاف جبهوي لجميع القوى السياسية والاجتماعية، وباعتبار التناقض الرئيسي مع الاحتلال وحليفته الإدارة الأميركية، للاتفاق على خطة سياسية وشعبية ملموسة لمواجهة وإسقاط هذه المؤامرة.

نحن أمام استحقاق تاريخي ومفصلي، وعلينا أن نبادر فورا بمنع الولايات المتحدة من الاستمرار بملف التسوية، وذلك بالبدء ببناء واستنهاض عناصر القوة الذاتية وإطلاق يد الشعب في الدفاع عن حقوقه ومقدساته

والأهم توفير الأدوات القادرة على قيادة هذه المرحلة سواء على صعيد السلطة بتشكيل حكومة وحدة وإنقاذ وطني، أو على صعيد المنظمة بالتحضير الجدي لمجلس وطني توحيدي وفق مقررات تحضيرية بيروت، بحيث تمهد الطريق لتوليد قيادة شابة تواصل قيادة مشروعنا الوطني بإرادة فلسطينية ديمقراطية خالصة.

وهنا يحضرني قول مأثور للراحل رشاد الشوا بعد اندلاع الانتفاضة الأولى وتثبيت أقدام القيادة الوطنية الموحدة حين قال “القيادة اليوم هي لقادة الانتفاضة الشباب، ولم يعد لنا دور سوى أن نكون مستشارين لهم إن احتاجوا مشورتنا”.

قرار عدواني

إن المناخ الدولي الرافض لاعتداء الإدارة الأميركية على قرارات الشرعية والقانون الدوليين وكذلك حالة التضامن الشعبية في كل دول العالم مع قضية شعبنا بما في ذلك في الولايات المتحدة وفي أوساط الجاليات اليهودية نفسها، والتي تدرك مخاطر غطرسة وشعبوية القيادتين اليمينيتين في واشنطن وتل أبيب، بالإضافة إلى ما صدر من مواقف عربية وإسلامية، يضاعف كل ذلك من مسؤوليتنا إزاء كيفية تحويل هذه المواقف الرافضة لإعلان ترامب العدواني إلى فعل سياسي.

فبلورة وبناء موقف فلسطيني موحد يلتف حوله كل الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وقيادة وطنية موحدة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية كإطار جبهوي يعبر عن إرادة ودور كل الشعب وقواه السياسية، بما في ذلك حركتا حماس والجهاد، هما المدخل والرافعة الأساسية لبناء موقف عربي وإسلامي ودولي، وأي تباطؤ أو ارتباك أو تمسك بخيارات ورهانات فاشلة ليس سوى مضيعة للوقت وتبديد لحقوق الشعب الفلسطيني.

إن الاعتقاد بأن قرار ترامب حول القدس يعني انسحاب الولايات المتحدة من وساطة التسوية، هو بقايا أوهام بالتسوية وفق المسار الأميركي الإسرائيلي. نحن أمام استحقاق تاريخي ومفصلي، وعلينا أن نبادر فورا بمنع الولايات المتحدة من الاستمرار في ملف التسوية، وذلك بالبدء ببناء واستنهاض عناصر القوة الذاتية وإطلاق يد الشعب في الدفاع عن حقوقه ومقدساته، والإعلان بأن أي مدخل للحل السياسي يبدأ أولا باعتراف إسرائيل والولايات المتحدة المسبق بحقوقنا الوطنية تماما كما أقرت الشرعية الدولية، وإطار البحث لاستعادة هذه الحقوق، يكون ضمن مؤتمر دولي ترعاه الأمم المتحدة لتنفيذ قراراتها وليس باستمرار التفاوض العبثي “في ما إذا كان لنا حقوق أم لا”.

ويمكن البناء على بعض مواقف الدول الكبرى التي تستشعر خطر السياسات الترامبية على السلم العالمي ليس فقط في الشرق الأوسط. ويستدعي تحقيق ذلك التوجه الفوري إلى مجلس الأمن بقرار عربي وإسلامي، دون استبعاد إمكانية الذهاب إلى الجمعية العامة تحت بند الاتحاد من أجل السلام لعزل العدوانية الإسرائيلية والأميركية، واستخدام كل الأدوات التي تمكننا من الدفاع عن حقوقنا، بما في ذلك التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية.

وتبقى الأهم، والتي من دونها قد تذهب ردود الفعل للقضية الفلسطينية كمجرد زوبعة في فنجان، إعادة الاعتبار لوحدة الكفاح، ووضع الانقسام وكل تداعياته خلف ظهورنا.

ولا يعد هذا القرار العدواني مجرد إيغال في الانحياز الأميركي، بل هو بحد ذاته يشكل عدوانا على شعبنا وحقوقه ومقدساته ويتناقص كليا مع القانون والإجماع الدوليين اللذين يعتبران القدس مدينة محتلة، ولا يمكن حسم مستقبلها بقوة العدوان والاستخفاف بشعوب المنطقة.

القدس ستظل عاصمة دولة فلسطين

ويعزز قرار ترامب الاستفزازي عوامل انفجار المنطقة وقذفها وقودا نحو المزيد من التوتر والتطرف والعنف الدموي الذي لن يسلم منه أحد بما في ذلك إسرائيل نفسها، التي تتحول تدريجياً ليس فقط نحو اليمين العنصري، بل باتت كذلك فريسة لغطرسة حكام هذا اليمين المتطرف فيها المتحالف مع إدارة ترامب الهوجاء.

وقد بات واضحا أنه لا يسعى أي منهما سوى إلى الاستمرار في الحكم، حتى لو كان ذلك على حساب حصد أرواح المزيد من الضحايا، وتجدد اندلاع الصراع الدموي، وما قد يجره من ويلات على جميع شعوب المنطقة.

وهذا يستدعي أيضا من بقايا قوى السلام ومناهضة الاحتلال في إسرائيل ومن عقلائها إذا كان ما زال فيها بقايا عقلاء، بأن يوحدوا دورهم وجهدهم لإنهاء الاحتلال عن كامل أرضنا المحتلة وفي مقدمتها القدس الشرقية المحتلة، فاستمرار هذا الاحتلال يهدد مستقبل إسرائيل قبل غيرها.

اليوم، ونحن على أبواب الذكرى الثلاثين للانتفاضة الكبرى عام 1987، ما أشبه اليوم بالبارحة. فعشيّة اندلاع الانتفاضة كانت سياسة إسرائيل، وبعد إخراج منظمة التحرير من لبنان كأنها تقول ساخرة “أين الفلسطيني؟”، وكانت تتعمد أن ترى الفلسطيني محاصرا بين خيار البؤس أو خيار السجن والهدم وبالشتات أو الموت، وقتها اختار الفلسطيني الحياة بالانتفاض على الاحتلال و”خياراته”، فنجحت الانتفاضة آنذاك في أن تعيد المنظمة والقضية الوطنية إلى قمة المشهد وصدارة الاهتمام الدولي.

المهمة الماثلة أمامنا اليوم هي كيف نعيد لقضيتنا مكانتها وإعادة بناء ائتلافنا الجبهوي والقيادة الموحدة القادرة على حماية شعبها وحقوقه ووحدته في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، ولا خيار أمامنا سوى المقاومة الشعبية الراشدة الشجاعة التي تعلمانها في سنوات الانتفاضة المجيدة الكبرى، والتي نجحت بصورة ملفتة في وضع قضيتنا على قمة الاهتمامات الدولية، ووفرت الفرصة نحو سلام حقيقي يصنعه فقط الأقوياء، قبل أن يغدر بها ويطيح بإنجازاتها.

وعلينا أن نظل واثقين بأن شعبنا قادر مجددا على صنع المعجزات إن توفرت لديه القيادة والأمل، وأن أحرار العالم وشعوب أمتنا العربية والإسلامية لن يخذلونا. فقضية شعبنا كانت وما زالت عنوان العدل والسلام، والقدس كانت وستظل تاج شعوب العالم، وتتطلع إلى العدل والسلام العادل والدائم، الذي يضمن لشعبنا حقه في العودة وتقرير المصير بإقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس ضمن حدود عام 1967.

عضو مؤسس للقيادة الموحدة للانتفاضة الأولى وعضو في المجلس الوطني الفلسطيني

6