في ذكرى أبي الوليد: ما أشبه الليلة بالبارحة

الأحد 2014/04/20

يُحتفل هذه الأيام بمرور 888 عاما على ولادة القاضي والمفكر والفيلسوف العربي الأندلسي المسلم، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، صاحب “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” و”تهافت التهافت” و”فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”، المولود في قرطبة عام 520 هـ، الموافق 1126 م، والمتوفى في مراكش عام 595 هـ، الموافق 1198 م، منفيا من قبل الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف، بعد أن اتهم بالإلحاد والكفر والزندقة من قبل فقهاء عصره، والمتزلفين لحكام عصره وكل عصر.

وقد كان ابن رشد مقرّبا في البداية من الخليفة الموحدي، الذي طلب منه شرح كتب القدماء من الإغريق بداية، ولكنه نُكب في النهاية، وأُحرقت كتبه، فالسلطان العربي في النهاية “يغضب غضب الصبي، ويبطش بطش الأسد”، كما يؤثر عن معاوية بن أبي سفيان في رده على رجل من قريش تطاول على مقام السلطة، وهو من هو في حلمه ودهائه.

وكانت أسباب نكبة ابن رشد في حقيقتها سياسية وشخصية، تقف وراءها دسائس القصور وفتنها، قبل أن تكون فكرية أو عقدية، وما تهم المروق عن الملة ونحوها من تهم دينية تمس صلاح العقيدة، إلا أغلفة للأسباب الحقيقية لنكبة فيلسوفنا، يُراد بها إرضاء العامة وفقهاء الدين المُعلب، الأوصياء على نقاء المذهب وصحة العقيدة وفقا لقواعد المذهب وليس بالضرورة روح الدين، وهو ما حصل كثيرا في تاريخنا وتاريخ أمم أخرى، وهو أمر لا يزال يحدث في أيام العرب وكثير من المسلمين، والتي يبدو أنها لا تتغير، ويبدو أنها لا تريد أن تتغير، فالعربي دائما ” رجل عند كلمته ” لا يغيرها، حتى في مثل هذه القضايا، وما أشبه الليلة بالبارحة.


تيار "الرشدية"


كان لابن رشد أثرا فاق حدود الأندلس وتجاوز تخوم العرب والمسلمين، ليصل إلى أوروبا القروسطية الكاثوليكية المنغلقة على ذاتها، حيث تكوّن تيار فكري تجديدي باسم “الرشدية” في أوروبا، كان له دور في بعث الروح من جديد في قارة كانت تستعد للاستيقاظ من سباتها بعد ألف عام من ظلام دامس، كظلام عرب اليوم، وحيث بقيت “الرشدية” من التيارات المؤثرة في الثقافة الأوروبية حتى نهاية القرن السادس عشر الميلادي، حين بدأت أوروبا في تكوين ثقافتها الجديدة المستقلة، ولا ثقافة إنسانية مستقلة تمام الاستقلال على أية حال، وفي ذلك يقول مؤرخ العلم الشهير جورج سارتون، في كتابه الموسوعي “مقدمة في تاريخ العلم”: “تعود عظمة ابن رشد Averroes إلى الأثر البالغ الذي أحدثه في العقول لعدة قرون. ومن الممكن تتبع أثر الرشدية إلى نهاية القرن السادس عشر..”.

وخلال فترة التأثير المباشر للرشدية في أوروبا، ناصبها قساوسة المسيحية العداء، وكانت “محاكم التفتيش” تنسب إليها كل نزعة إلحادية أو هرطوقية يُتهم بها هذا أو ذاك ممن ضاقت منهم الأنفس والعقول من تحكم أصحاب الجماجم المجوفة من رعاة الكنيسة والقائمين على التفتيش في زوايا الضمير، بنفس القوة التي فعلها فقهاء الإسلام في الأندلس وسائر أقطار المسلمين، ولا غرابة في الأمر، فإن طبيعة “الوصاية”، والهيكل العظمي “للدوغما”، واحد في كل دين ومذهب، حتى في تلك الأيديولوجيات التي تقف موقف الرافض للدين والماورئيات، فالجمود والانغلاق ورفض منجزات العقل المنطلق، هي أعمدة كل دوغما وأية دوغما.


لم يتغير شيء


ليس المراد هنا حقيقة كتابة مقالة عن ابن رشد أو غيره من منكوبي الفكر وحرية الضمير في تاريخ الفكر العربي والإسلامي، باسم الخروج عما هو “مفهوم بالضرورة” من الدين، كما يُحدّدها الذين جُعلوا، بهيمنة السلطة والسلطان، أو جعلوا من أنفسهم آباء روحيين له، أو تلك التهم التي أبدع العقل المذهبي المتزمت في نحتها، في كل دين وملة ومذهب، بقدر ما أن المرام هو القول في النهاية إن شيئا لم يتغير منذ أيام ابن رشد وحتى أيامنا الحاضرة، حيث يبدأ تاريخ العرب وينتهي عند نفس النقطة تقريبا، وكأنه دائرة مغلقة لا يمكن تحديد أولها من آخرها، وفي ظني فإن محطة واحدة من محطات حياة أبي الوليد كفيلة بإبراز هذه النقطة وتوضيحها، وذلك لما لها من علاقة مباشرة بأوضاع نعيشها اليوم، وعقل لم يطرأ عليه أي تحول منذ ذلك العهد.

فحين غُضب على ابن رشد من بعد رضًى، وأُمر بحرق كتبه في ميدان عام وسط ابتهاج العامة وشماتة حُرّاس العقيدة، يُقال إن أحد طلبة ابن رشد بكى وهو يرى مخطوطات أستاذه تأكلها النار، ففطن إليه أبو الوليد وقال له مهدئا ومطمئنا: “إن كنت تبكي حال المسلمين فاعلم أن بحار العالم لن تكفيك دموعا، وإن كنت تبكي الكتب المحروقة، فاعلم أن للأفكار أجنحة وهي تطير لأصحابها”.

وفي مشهد أخير من مشاهد فيلم “المصير ” للمخرج الراحل يوسف شاهين، تولانا الله جميعا برحمته، يقوم الفنان نور الشريف، الذي يقوم بدور ابن رشد، بإلقاء نسخة لم تحترق من كتبه في النار، دلالة على أن المسطور بين دفتيه قد تأكله النار، أما ذات الأفكار فهي باقية ما بقي عقول تفكر، وأرواح تسمو إلى الانطلاق.


الأمن الإيديولوجي


ما فعله “الخليفة” الموحّدي، وما فعله خلفاء وسلاطين من قبله ومن بعده، إنما حدث بدافع مُعلن هو صفاء العقيد، على أساس أن الدولة هي المسؤولة عن صفائها ونقائها، وبدوافع سياسية واجتماعية متعلقة بذات السلطة تشكل حقيقة الفعل وإن لم تُعلن، ولكن كل ذلك يمكن إدراجه تحت مسمى “الأمن الإيديولوجي”، بكل ما يتضمنه ذلك من سياسة وثقافة ودين كلها تدور حول الدولة وأمن الدولة، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل أدت سياسة “الأمن الإيديولوجي” إلى بقاء الدول أم أن العكس هو الصحيح؟ لقد كانت أندلس ما قبل أبي الوليد، وما قبل الموحدين، واحة أمن واستقرار رغم التعدد وانتفاء سياسة ” الأمن الإيديولوجي”، حتى أنه قيل إن ضياع الأندلس بدأ مع إحراق كتب ابن رشد، وهو أمر لا يمكن استبعاده، فحين يغيب التسامح والثقة بالنفس، فإن الضياع يبدأ في البحث عن موطئ قدم.

وحين الحديث عن الأمن، فإنه من الملاحظ أن أمورا كثيرة بدأ يدخل فيها مفهوم “الأمن” هذا، حتى لو كانت تلك الأمور لا علاقة لها بمفهوم الأمن بمعناه التقليدي. فمن المفهوم أن يكون هناك حديث عن الأمن القومي، أو الأمن الوطني، أو الإقليمي أو العالمي، بل وحتى الحديث عن الأمن الغذائي، بمعنى أن لا تتحول الدولة إلى معتمد كليّ في غذائها على مصادر خارجية، بحيث يتحول الغذاء إلى سلاح يمكن من خلاله إجبار دولة ما على سلوك ما عن طريق تجويعها.

وربما ظهرت غدا مفاهيم أخرى للأمن لا يمكن تخيل أن يكون مُفكرا فيها، وكل هذه التطورات ممكنة ومحتملة ومفهومة في ذات الوقت، ولكن عندما يأتي الحديث عن مفهوم جديد مثل مفهوم “الأمن الإيديولوجي”، أو “الأمن الفكري”، كما هو وارد في أدبيات السياسة العربية المعاصرة، فإن العقل حقيقة يتوقف عند هذا المفهوم، محاولا فهمه حق الفهم، إذ أن المفهوم مشوش، ولا تعريف له من قبل القائلين به، فما هو معنى “الأمن الفكري”، هذا إن كان له أي معنى؟ قبل أن يجري هذا المفهوم على الألسن، أو يدخل ضمن أدبيات السياسة والثقافة والاجتماع، كان الحديث في الماضي عن “الأفكار الهدامة”، والتيارات الفكرية الهدامة التي تسعى إلى تقويض المجتمعات والثقافات القائمة، فكانت الدعوة إلى محاربة مثل تلك الأفكار والتيارات.

ولكن تبين في النهاية أن مفهوم “الأفكار الهدامة” هو مفهوم مثقل بحمولة سياسية وإيديولوجية كبيرة، بصفته إفرازا من إفرازات الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، بحيث أصبحت “الأفكار الهدامة”، والمبادئ الهدامة، مقصورة في النهاية على الشيوعية وتغلغلها في بلاد العالم الثالث، حين كان للشيوعية بريق وجاذبية. كانت “الأفكار الهدامة” مقولة إيديولوجية كجزء من الحرب الفكرية والسياسية بين المعسكرين، وحلفاء هذين المعسكرين، لم تلبث أن سقطت حين سقطت القطبية الدولية، وبذلك انتهت الفكرة حين استنفدت أغراضها ولم يعد لها وظيفة محددة، أو معنى يمكن أن يكون مقبولا. من ناحية أخرى، ومن زاوية موضوعية معينة، فإن وصف الأفكار بالهدم أو التعمير هي مسألة نسبية في الختام. فما يمكن أن يوصف بالهدم في مكان ما أو زمن ما، قد يوصف بالتعمير في مكان آخر أو زمن آخر، والعكس صحيح.


"أدلجة" الثقافة


مفهوم الهدم، إن كان له أن يُسمى مفهوما، ليس إلا فكرة محكوم عليها بالموت. وفي ظني أن هذا هو مصير مفاهيم مثل “الأمن الفكري-الإيديولوجي”، أو “الخصوصية الثقافية”، أو غيرها من مفاهيم مشابهة، تتغنى بالخصوصية إلى حد الهوس. فالخصوصية الثقافية المطلقة وهم موظف لأغراض لا علاقة لها بالثقافة، والأمن الفكري، أو الإيديولوجي حقيقة، هو الآخر مفهوم مشوش لا معنى له في نهاية التحليل.

فليس هناك ما يمكن أن يُطلق عليه اسم ثقافة صافية أو نقية بالكامل، فكل ثقافة لا بد أن تكون حاملة لأثر ثقافة أو ثقافات أخرى، أو نتيجة تثاقف تاريخي غير محسوس، كأجنحة طائر ابن رشد. و”الأمن الفكري” هو طفل شرعي للقول بخصوصية ثقافية متميزة، تصل في بعض الأحيان إلى حد الهوس، أو أن الهوس هو مصير المبالغة في الخصوصية الثقافية والأدلجة السياسية الاجتماعية. فالأمن الفكري - الإيديولوجي يفترض أن هنالك ثوابت لا تُمس في ثقافة من الثقافات، ولأمور تتعلق بظروف تأسيس الدولة، وبالفعل هنالك ثوابت لا تمس في أية ثقافة من الثقافات، فمثل هذه الثوابت هي الرواسي التي ترتكز عليها هذه الثقافة أو تلك، ولكن من يُحدد هذه الثوابت؟ ومتى تنتهي “ثباتية” هذه الثوابت، هذا هو السؤال، وهنا تكمن الأزمة.

الثقافات الحية وفي الأمم الساعية إلى الحياة، لا تُثار فيها مسألة الثوابت هذه، أو تُثار قضايا الهوية والأمن الفكري الناتجة عن تساؤلات حول هذه الثوابت، إلا في مراحل التأسيس المؤقتة، لأن هذه الثوابت معاشة، وبالتالي داخلة في نسيج حياة المجتمع وحركته في القديم والحديث.

أما حين تعجز ثقافة ما عن المنافسة في وجه ثقافات حية أخرى، أو تقف دولة ما عاجزة عن حل إشكالاتها الإيديولوجية، وتبدأ تلك الثقافات في اختراق كثير من “ثوابت” الثقافة المعنية، وتتحول الإيديولوجيا إلى حاجز ثقافي أمام ازدهار الدولة، فإن الخلل لا يكون في الاختراق بقدر ما هو في ذات النسيج. بل يمكن القول إننا نستطيع قياس قوة ثقافة ما، في مواجهة ثقافات أخرى، من خلال خطاب الهوية والخصوصية الثقافية، والتحذير من الغزو الفكري، والدعوة إلى الأمن الفكري، إذ كلما كان الصراخ أعلى، كلما كانت المشكلة أعمق.

وفي النهاية فإن كل ذلك لا يجدي فتيلا، فإذا كانت الثقافة محل التحليل ضعيفة إلى حد الهشاشة، أو كانت الإيديولوجيا عاجزة عن استيعاب مشكلات الواقع، فإنه لن ينفع معها علاج أو حماية، وسواء باسم الأمن الفكري أو غيره.

وإن كانت الثقافة المعنية قوية وواثقة من نفسها، فإنه لن يضرها التلاقح مع الثقافات الأخرى، بل على العكس من ذلك، يزيدها التداخل والتمازج قوة على قوة، وذلك مثل الحضارة العربية الإسلامية في لحظات نادرة، ومنها اللحظة الأندلسية قبل أدلجة الموحدين والمرابطين وغيرهم بأزمان، حين كانت بوتقة ثقافية تمازجت فيها مختلف الثقافات والحضارات، فكان ذلك قوة لها، ثم انتهت إلى الضعف والانكماش حين تقوقعت على نفسها، وأخذت تجتر ما لديها باسم الخصوصية والأصالة والحفاظ على نقاء الثقافة، وفوق ذلك كله “أدلجة” الثقافة تحت مختلف التسميات، حتى فاجأها الغرب الذي كان متقوقعا على نفسه، بحلة أخرى غير حلة القرون الوسطى، وثقافة جديدة لا علاقة لها بمدرسيات أرسطو، وشكرا لشروحات أبي الوليد وإضافاته، فأصبح بذلك سيدا للعالم.

فالرياح في النهاية لا تستطيع أن تجتثّك من جذورك حين تكون هذه الجذور ضاربة في أعماق الأرض، ومن فوقها “سدرة” باسقة ممتدة الأغصان والظلال.. بغير ذلك.. ودون جذور وأغصان وظلال.. فإن كل جهد ليس في الخاتمة إلا حرث في ماء، أو رسم على كثيب رمل متحرك في الربع الخراب..

6