في ذكرى الأمهات

الاثنين 2017/11/06

لو لم يرسمها لكان هناك شيء ناقص في الرسم العالمي الحديث، استغرق أرشيل غوركي في رسم صورة أمه عشر سنوات (1926-1936).

إنها ليست لوحة كبيرة ولا معقدة من جهة ما تحتويه من تفاصيل وليس هناك من جهد تقني خارق فيها، غير أن ما تنطوي عليه تلك اللوحة (رأيتها معروضة في متحف ويتني) من مزيج هائل من المشاعر يجعلنا نفهم سر ذلك الزمن الطويل الذي استغرقته عملية خلقها.

عام 1919 توفيت أمه وفي العام التالي وصل غوركي إلى أميركا، الأرمني الذي لم يعش طويلا (1904-1948) كان مغلقا على حزنه الشخصي مثل صندوق أسود.

كان السؤال المحير الذي رافقه هو “كيف يمكن أن نرسم الحزن خفيفا من غير أن نستعمل الرسم للتعبير عنه بطريقة إيضاحية؟”.

لم يستسلم غوركي لدموعه، لأنه كان يريد لعينيه أن تظلا مفتوحتين على سعتهما على ماضي حياته القادم من مستقبل الرسم، أنقذته التعبيرية الأميركية من الشجن الواقعي فرسم الصورة التي تجمعه بأمه كما لو أنه كان يحلم، صورة يتمنى كل إنسان يراها أن يحل محل غوركي لتكون أمه حاضرة مثل خزان عاطفة لا تنفد.

لقد تغير أسلوب غوركي في الرسم بعد تلك اللوحة، فصار جزءا من التجريدية التعبيرية وتغيرت أساليب الرسامين الأميركيين الذين تهيأت لهم فرصة الانتشار حول العالم، غير أن قيمة تلك اللوحة لم تتغير بل ظلت في صعود مستمر.

حين رأيتها من بعيد سعدت لأني وجدت أخيرا ما يهب زيارتي لمتحف ويتني في مبناه الجديد معنى كنت قد فقدته بسبب رسوم إدوارد هوبير المملة بالنسبة لي.

“هو ذا الكنز”، كدت أن أصرخ، تجربة الوقوف أمام تلك اللوحة تشعر المرء بسعادة مَن يعثر على كنز فجأة ومن غير مقدمات، صدمة عاطفية تضربه بهدوء، غير أنها لا تترك جزءا من جسده بعيدا عن تأثيرها.. في حضرة أم غوركي يستعيد المرء أمه.

كاتب عراقي

16