في ذكرى الانسحاب السوري من لبنان

الأربعاء 2014/04/30

احتفل لبنان قبل أيام، يوم السادس والعشرين من أبريل بالذات، بمرور تسع سنوات على انسحاب القوات السورية من أراضيه بعد احتلال دام ثلاثة عقود تقريبا. جاء الانسحاب نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من فبراير من السنة 2005.

كان الانسحاب بداية لاستعادة الوطن الصغير استقلاله وسيادته. الرحلة لا تزال طويلة ولكن، هناك تغيّر على أرض الواقع. يتمثّل هذا التغيّر في أنه لم يعد ما يمنع حركة الرابع عشر من آذار التي ترمز إلى رغبة اللبنانيين في استعادة حرّيتهم ودولتهم من ترشيح الدكتور سمير جعجع رئيس حزب “القوات اللبنانية” لرئاسة الجمهورية.

فجعجع من بين بضع شخصيات لبنانية ترمز إلى المقاومة الحقيقية التي تعمل من أجل استعادة الدولة اللبنانية سيادتها بديلا من «المقاومة» التي تعمل من أجل تكريس لبنان «ساحة» للمحور الإيراني- السوري.

من حقّ لبنان الاحتفال بالاستقلال الجديد الذي سمّاه سمير قصير «استقلال- 2005». اغتيل سمير قصير بسبب دوره في تخليص لبنان من الاحتلال السوري، ولربطه بين حرّية لبنان وحرّية سوريا. كان سمير قصير يعرف تماما معنى الانسحاب العسكري السوري من لبنان.

كان يربط بين ربيع بيروت وربيع دمشق. كان يعرف أن الانسحاب العسكري والأمني السوري من لبنان تمهيد لانسحاب النظام السوري من سوريا وإزاحة كابوس القهر والظلم عن صدور السوريين.

بعد سنوات ست، تحققت نبوءة سمير قصير. ثار الشعب السوري في السنة 2011. لا تزال ثورته مستمرّة. في الوقت ذاته لا يزال لبنان يقاوم على الرغم من كلّ المحاولات الهادفة إلى وضعه تحت النير الإيراني بديلا من النير السوري. في الواقع، صارت سوريا تحت النير الإيراني الذي تسعى إلى تأكيد رفضها له كلّ يوم.

بين 2005 و2011، عمل النظام السوري كلّ ما يستطيع من أجل أن لا يكون هناك أيّ ارتباط بين خروجه من لبنان والوضع الداخلي في سوريا. عمد إلى إلهاء اللبنانيين بالداخل اللبناني عن طريق التفجيرات التي استهدفت المناطق المسيحية أوّلا، بغية إثارة النعرات الطائفية.

جاء بعد ذلك مسلسل من الاغتيالات، معروفة تماما الجهة التي تقف خلفه وتلك التي تتولى التنفيذ. بدأت الاغتيالات بسمير قصير. كان الهدف السوري واضحا كلّ الوضوح. يتمثّل هذا الهدف بتغطية الجريمة الأساسية، جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه التي كان يعتقد النظام السوري، ومعه الجهة المنفّذة، أنها ستمرّ مرور الكرام على غرار الجرائم الأخرى بدءا بكمال جنبلاط والرئيس بشير الجميّل والمفتي حسن خالد والرئيس رينيه معوّض وكثيرين آخرين كان مطلوبا التخلّص منهم.

كان انسحاب القوات السورية من لبنان دليلا على أن اغتيال رفيق الحريري عمل مجنون لا يقدم عليه سوى موتور لا يعرف شيئا في السياسة. لم تنجح كلّ الاغتيالات التي استهدفت اللبنانيين، الشرفاء حقّا، في وقف سير العدالة.

لم تنجح كلّ تلك الاغتيالات في منع قيام المحكمة الدولية. لم تنجح حرب صيف 2006 في جعل اللبنانيين يرضخون للأمر الواقع، إي لسـلاح «حـزب الله» الموجّه إلى صدورهـم.

لم تنجح حرب مخيّم نهر البارد الذي اعتبره الأمين العام لـ«حزب الله» في أحد خطاباته «خطّا أحمر» في الحؤول دون متابعة فعل المقاومة من أجل تخليص لبنان من آثار الاحتلال السوري. لا يمكن تعداد كلّ ما قام به النظام السوري وحلفاؤه اللبنانيون المدعومون من إيران من أجل تمرير الجريمة ووضع اليد على لبنان بشكل نهائي.

كانت أحداث السابع والثامن والتاسع والعاشر من مايو 2008 في بيروت والجبل. انتهك “حزب الله” حرمة بيروت وأهلها على غرار ما فعل الإسرائيلي في العام 1982. لم ينفع النظام السوري في شيء إسقاط حكومة الوحدة الوطنية التي شكّلها سعد الحريري من أجل تمكين لبنان من تضميد جروحه ولملمة أوضاعه الداخلية. لم ينفع قبل ذلك الاعتصام وسط بيروت من أجل تعطيل الاقتصاد اللبناني وتعميم البؤس في الوطن الصغير.

قاوم لبنان ولا يزال يقاوم. لم تكن جريمة اغتيال رفيق الحريري مجرّد جريمة عادية، بعدما قال أحد كبار المسؤولين في النظام السوري أنه يكفي أن ننسحب من لبنان كي نعتبر أننا دفعنا ثمنها.

كلّا، إن الانسحاب من لبنان ليس ثمنا كافيا. لم يكن يوما ثمنا كافيا. لا بدّ من الانسحاب من سوريا. إيران تدرك ذلك قبل غيرها، ولذلك، صارت شريكا أساسيا في الحرب التي يشنّها النظام السوري على شعبه. لذلك أيضا ترسل طهران ميليشيات عراقية وميليشيا «حزب الله» لقتال الشعب السوري. إيران تعرف أن سوريا مجرّد مستعمرة بالنسبة إليها، وعليها الدفاع عنها حتّى آخر لبناني وآخر عراقي.

كان الانسحاب من لبنان مؤشرا على بدء العدّ العكسي للانسحاب من سوريا. لم يكن يوم السادس والعشرين من أبريل 2005 يوما عاديا. كان المجيء إلى لبنان منذ البداية دليلا على أن النظام السوري يحتاج دائما إلى الهرب إلى الخارج تفاديا لمواجهة الأزمة العميقة التي في أساسها عجزه عن معالجة مشاكل سوريا. كان نظاما فئويا طائفيا أراد باستمرار المزايدة على العرب الآخرين من أجل تفادي انكشاف حقيقته.

ساعة الحقيقة تقترب مع كلّ يوم يمرّ. لا يشبه اغتيال رفيق الحريري سوى الاحتلال العراقي للكويت في العام 1990. انتهى نظام صدّام حسين العائلي- البعثي في اليوم الذي دخلت قواته الكويت. ما لبث صدّام أن خرج من الكويت تمهيدا للخروج من بغداد.

التاريخ يعيد نفسه. لم يستوعب بشّار الأسد أن رفيق الحريري كان في حجم دولة، وأن اغتياله، بالطريقة التي اغتيل بها، لا يمكن في أي شكل أن يؤدي إلى إخضاع لبنان. لبنان يقاوم وسوريا ثائرة. من كان يصدّق أنّ القوات السورية ستخرج يوما من لبنان؟ من كان يصدّق أن سوريا ستثور على الظلم بالطريقة التي ثارت بها؟

من كان يصدّق أن نبوءة سمير قصير ستتحقق يوما، وأن الشباب السوري لن يقبل بعد 2011 العيش أربعة عقود أخرى من الذلّ.


إعلامي لبناني

8