في ذكرى صاحب "موطني"

كانت القلوب العربية، قد تلقفت قصائد إبراهيم طوقان بكل الحماسة والشجن. وقد اقترنت إحداها، وهي "موطني" بالموسيقى، فأصبحت قبل مرحلة الاستقلال، نشيداً وطنياً لمن لا نشيد لهم!
الأحد 2020/05/10
في زمن إبراهيم طوقان، لم يكن لدى كل ذي عقل أي نوع من النعرات

قليلون هم النابغون الذين يحفرون أسماءهم في سجل الخلود، بعد موت عاجل وحياة قصيرة. أحد هؤلاء هو الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، الذي غادر الدنيا قبل أن يكمل عامه السادس والثلاثين. ولو حسبنا سنوات عمل إبراهيم وعطائه، منذ أن التحق بالجامعة الأميركية في بيروت، في العام 1923 وكان في الثامنة عشرة من العمر؛ لأصبحنا أمام مسافة زمنية لا تزيد عن ثماني عشرة سنة أخرى تبقت للشاب، عاش نصفها في بيروت طالباً ومعلماً في الجامعة نفسها. وفي العام 1936 تسلم إذاعة القدس التي كانت تحت سلطة البريطانيين. وكان طبيعيا أن تطرده تلك السلطة من الإذاعة، بعد أربع سنين، بحكم اشتعال قصيدته مع اشتعال الساحة الفلسطينية ضد الاستيطان والانتداب. خرج في العام 1941 للعمل في “دار المعلمين العالية” في بغداد، وسرعان ما أثقلت عليه أمراض في المعدة والصدر، لم تمهله طويلاً فأسلم الروح في الأسبوع الأول من مايو 1941 عن 36 عاماً.

كانت القلوب العربية، قد تلقفت قصائد إبراهيم طوقان بكل الحماسة والشجن. وقد اقترنت إحداها، وهي “موطني” بالموسيقى، فأصبحت قبل مرحلة الاستقلال، نشيداً وطنياً لمن لا نشيد لهم!

تُذكر القصيدة ولحنها، بزمن عربي، انتعشت فيه الآمال واندمج وتآخى فيه المبدعون متعددو الخلفيات الثقافية والمنابت الاجتماعية. ففي زمن إبراهيم طوقان، لم يكن لدى كل ذي عقل، أي نوع من النعرات، لا الطائفية ولا الجهوية، وكان الفقهاء الشيوخ أنفسهم مستنيرين وبعضهم يعزفون الموسيقى وينفتحون على مدارس ثقافية عديدة، ويقدرون الآخر ويتمسكون بتقاليد السماحة والتعايش التي يحاربها أصوليو اليوم المتطرفون النصابون. فالملحن الهاوي اللبناني محمد فليفل، كان وأخوه أحمد من حفظة القرآن الكريم ومن متعلمي كتاتيب الشيوخ ومن المنشدين وأصدقاء الشيخ محمد الجسر، وقد تعلموا الموسيقى في إسطنبول. أما إبراهيم طوقان، فقد جمع لنفسه في سن الشباب اليافع، ثلة من الأصدقاء من كل ديانة، فكان من أصحاب الشاعر وجيه البارودي في سوريا، وبشارة الخوري (الأخطل الصغير) في لبنان، والشاعر حافظ جميل في العراق، والأدباء والكتاب عمر فروخ وساطع الحصري وخليل السكاكيني وغيرهم. وتأثر بالأديب اللبناني المعلم نخلة جريس زريق، وهو عالم لغوي مسيحي وقومي استقلالي، عاش واشتغل في القدس ومات فيها.

 بعد إطاحة الأميركيين بنظام صدام حسين، اختار الحاكمون الجدد، نشيد “موطني” للشاعر الفلسطيني، لكي يصبح السلام الجمهوري للبلاد. وجه الغرابة أن الفلسطينيين الذين طردهم الغول الطائفي من بغداد، كانوا في ذلك الوقت معلقين بين الصحراء والصحراء، تنهشهم الضواري من البشر، والضواري من ذوات الأربع، في بيداء شديدة القسوة!

24