في ذكرى نصر أكتوبر: اعتذار متأخر للإسلاميين عن اغتيال السادات

ذكرى السادس من أكتوبر، قد تحمل للمصريين حدثا وطنيا وعربيا هاما يتمثل في نجاح القوات المصرية في عبور قناة السويس وتحرير سيناء وتفكيك خط برليف المنيع، ولكنها ذكرى تعيد للمصريين دائما حدث اغتيال الرئيس أنور السادات، الذي لم تشفع له صورته بأنه “بطل الحرب وبطل السلم” ولم تشفع له مناوراته مع اليساريين وغيرهم بأن غدره “حلفاؤه” الإسلاميون وقتلوه أثناء الاحتفال بالتحرير، وها قد عاد بعضهم اليوم يعتذر عما فعل.
السبت 2016/10/08
اغتيال السادات.. حصاد عقد من توغل الإسلام السياس

من الطبيعي أن يحيي المصريون، وهم يحتفلون هذه الأيام على المستويين الرسمي والشعبي، بمرور 43 عاما على الانتصار العظيم على الجيش الإسرائيلي، بذكرى رحيل الرئيس الأسبق أنور السادات، الذي يعتبرونه “بطل الحرب.. وبطل السلام”.

لكن الجديد أن البعض من الإسلاميين، الذين شاركوا في اغتياله، بالتخطيط أو المباركة، في 6 أكتوبر 1981، وهو يحتفل بذكرى الانتصار، أعلنوا ندمهم على ذلك الاغتيال، وإن كان آخرون منهم مازالوا يعتبرون قتله واحدا من أهم إنجازات الحركة الإسلامية في تاريخها.

أبدى الشيخ كرم زهدي، أحد مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية، في تصريح خاص لـ”العرب”، ندمه على المشاركة في اغتيال السادات، وكشف أن الحركة الإسلامية ارتكبت خطأ كبيرا، وأنه كان من الضروري اللجوء للحوار، لأنه الطريق الأفضل لحل الخلافات مع السادات، وليست المسارعة إلى حمل السلاح، كما أن السادات لم يفعل ما يستوجب القتل، وكان يستحق توجيه الشكر إليه.

وعدّد زهدي عددا من الحسنات للسادات وفق منطق تغيير الخطاب تجاهه، وقال إنه يحسب للرئيس أنه أخرج أبناء الحركة الإسلامية من السجون دون ضمانات، سعيا منه لنبذ العنف، وفتح الأبواب ليخرج الإسلاميون، ويعود لمصر مظهرها الإسلامي، ويمارس هؤلاء أنشطتهم الدعوية.

ولكن في المقابل، يؤكد محللون أن ما فعله السادات كان موقفا سياسيا بامتياز لتحجيم الشيوعيين، وليس بسبب قناعات لديه بأهمية خروج الإسلاميين، حيث سعى إلى كسر شوكة خصومه من التيار الناصري واليساري عموما، الذين كانت لهم الغلبة على الساحة في ذلك الوقت، خاصة في الجامعات، فعمد نظام السادات إلى خلق كيانات يمينية مضادة لها.

وبنظر آخرين، فإن السادات حاول جذب التيارين (اليمين واليسار) إلى عمق القضايا والمشتركات بين فئات المجتمع وتياراته الفكرية والسياسية، دون جنوح نحو جهة اليسار أو اليمين، وصولا إلى إحداث التوازن في المجتمع وتحقيقا لهدفه السياسي، لكن لم يتوقع السادات أن تكون ثمن تحجيمه نشأة تيار ديني متطرف يرفع السلاح في مواجهة الدولة، حيث انحصرت خططه في تشجيع تيار يميني محافظ وسطي.

حسابات سياسية

القضية لا تعدو كونها حسابات سياسية، فلا السادات علماني أتاتوركي كما اتهمه الإسلاميون، ولا هو يميني مناصر للتنظيمات الراديكالية كما اتهمه خصومه من اليسار.

القضية لا تعدو كونها حسابات فلا السادات علماني كما اتهمه الإسلاميون ولا هو يميني كما اتهمه خصومه من اليسار

بدأت مرحلة الوفاق الدولي بتدشين المصالحة بين الرأسمالية والشيوعية والتقارب بين القطبين الدوليين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، في وقت كانت إسرائيل منتصرة بدعم أميركي، فيمَا تتجهز مصر للحرب بمساندة السوفييت، والهدف إنهاء حالة اللاحرب واللاسلم وتحريك العمل السياسي، واندلعت المظاهرات في جامعات مصر للدخول في الحرب، التي كانت بمثابة مناورة السادات الكبرى للانتقال من خانة اليسار والمعسكر الشرقي إلى خانة اليمين ودول الصفوة بالعالم الثالث الموالية للغرب.

توظيف التيار اليميني تحت إشراف رجل السادات في الصعيد القيادي الراحل بالإخوان محافظ أسيوط محمد عثمان إسماعيل منح هذا التيار نفوذا واسعا، حتى صار في مرحلة من المراحل عصيا على السيطرة، بعدما تكونت على يمين تيار الوسط منظمات أشد تطرفا مثل الجماعات الجهادية وجماعات الوجه القبلي، بينما أنتجت سياسة الانفتاح الاقتصادي مع الغرب، دون ضبط لمعادلات السوق مع الإدارة السيئة للقطاع العام، خللا اقتصاديا وسياسيا عبرت عنه انتفاضات الطلاب في جامعات مصر.

وبعد الحرب وتحرير سيناء، جاءت مظاهرات يناير 1977 ضد ارتفاع الأسعار ونظام السادات، والتي حركها وقادها اليسار والناصريون والقوميون، لتؤكد على استمرار عجز النظام الحاكم وحاجته لمعجزة للسيطرة على الأوضاع.

خلاف السادات مع الإخوان والإسلاميين، كما أثبتت مجريات الأحداث لم يكن عقائديا إنما سياسيا، لكنهم وقعوا في فخ الخديعة وغرّهم تنامي نفوذهم فكونوا جبهة معارضة قوية ضد السادات، بلغ نشاطها ذروته إثر زيارته التاريخية لإسرائيل في 19 نوفمبر 1977، بالرغم من أنه كان يراهن كليا عليهم للسيطرة على الجامعة ثم المجتمع، واستغلالهم في تمديد نفوذه من المحلي إلى الإقليمي، استنادا إلى فكرة تدعيم نفوذه دوليا رهانا على توجه الغرب اليميني ورغبة الولايات المتحدة في منح أدوار لليمين الإسلامي والإخوان.

فوز اليسار

الواضح أن من ربحوا المعركة السياسية في نهاية المناورة، هم اليسار، عندما وصلوا إلى أهدافهم بطريقة غير مباشرة، فالإسلاميون الذين أرادهم السادات ورقة بيده في مواجهة اليسار، صاروا بيد اليسار ورقة ضد السادات، وهنا يكمن الخطأ التاريخي الذي وقع فيه الإسلاميون في مصر، فقد واءمتهم فرصة الحضور في المشهد الدعوي والإعلامي والثقافي، والمشهد السياسي بشكل متدرج، بالتعاون مع رئيس دولة في مواجهة خصوم مشتركين، فإذا بهم يجهزون عليه بأيديهم.

وألمح لهذا الخطأ التاريخي ناجح إبراهيم أحد القادة التاريخيين للحركة الإسلامية، داعيا شباب التيار الإسلامي إلى التعلم من هذا الدرس وعدم الوقوع تحت طائلة الدعاية السلبية ضد هذا الحاكم أو ذاك، مهما كان حجم الخلاف السياسي معه، “لأن الخطة التي كتب لها النجاح في مختلف المراحل هي وضع الأسافين بينهم والحكام وإحداث وقيعة بينهم وبين النظم الحاكمة واستفزازهم نحو الصدام المسلح”.

وقارن إبراهيم بين حجم مكتسبات وامتيازات التيارات الأخرى عبر العقود المتعاقبة مقابل مكتسبات الإسلاميين، معللا ضحالة مكتسباتهم لعدم إتقانهم أساليب المناورة السياسية.

أما حقيقة تاريخ السادات ومواقفه فتدل على أنه بالفعل كان يمينياً محافظاً، وكان من ضمن ألقابه “الرئيس المؤمن”، وهناك من رأى أنه كان يسعى لأسلمة الدولة المصرية.

واعتذر ناجح إبراهيم الذي يعد أحد رموز الاتجاه الإصلاحي بالحركة الإسلامية، في وقت سابق لأسرة الرئيس المصري الراحل أنور السادات، مؤكداً أنه لو عاد به التاريخ لمنع قتله.

ناجح إبراهيم: لو عاد بي التاريخ لمنعت قتل الرئيس محمد أنور السادات

وألمح إبراهيم لـ”العرب” إلى أن السادات منح الحركة الإسلامية فرصة الحياة، ليس فقط في مجال الدعوة عندما أعادهم إلى المساجد والنشاط الاجتماعي، وإنما أيضا على المستوى الثقافي، بإعادة بعث القيم الإسلامية، في صورة التقاليد الريفية المحافظة، كذلك دستوريا بإقرار مادة الشريعة، لافتا إلى أن الانتصار على إسرائيل كان أفضل إنجازاته.

وعن معاهدة السلام، التي كانت في مقدمة حجج من أقدموا على قتل السادات وقوبلت وقتها برفض تيارات مختلفة والبعض من علماء الأزهر، أشار ناجح إبراهيم إلى أن مكانها هو ميدان الحوار المجتمعي، حول إمكانية تعديلها بما يضمن سيادة مصر.

لكن على الجهة المقابلة، رأت غالبية عناصر الحركة الإسلامية بمصر في السادات “عدوا استحق مصيره”، على خلفية ولعه بكمال أتاتورك في تركيا، وإهانته للبعض من الرموز الإسلامية، وإقدامه على السلام مع إسرائيل.

وقال مراقبون لـ”العرب”، إن هذا الفريق هو الغالب داخل الحركة الإسلامية، وينظر إلى اغتيال السادات كأحد أهم الإنجازات، وإذا أعلن التبرؤ تماما من هذا القتل اليوم، فقد يكون قد فقد الكثير من عوامل جذبه لدى الفئات المجتمعية الساخطة، سواء على الأوضاع الاقتصادية، أو على تردي أحوال العرب، وانطلاقا من هنا يطرح الإسلاميون أنفسهم كبديل.

وأشار إصلاحيون إسلاميون آخرون إلى أن هذا الملف يعد إحدى ركائز حركة “المراجعات”، في إشارة إلى تركيز الحركة الإسلامية فقط على سلبيات الحكام، وبعض مواقفهم المختلف حولها سياسيا، والتي يجعلونها مبررا للصدام مع الدولة، بزعم أن السبيل الضامن للإصلاح إزاحة هذا الحاكم أو ذاك عن السلطة، وهو المسار الذي أدخل الحركة الإسلامية في أزماتها المتعاقبة منذ خمسينات القرن الماضي إلى اليوم.

باحث في شؤون الحركات الإسلامية

6