في ذمّ الثورات

سوء الثورات وكوارثها يرتبط بمدى قسوة النظام المخلوع، فالشعب الذي كان خانعا أو مقموعا بدرجة أكبر يفجر ثورة أكثر قسوة وانحطاطا وفوضى.
الخميس 2019/07/18
كل الثورات تؤدي إلى كوارث

بمناسبة حمى الجدل في ذكر “الثورة” العراقية التي أطاحت بالنظام الملكي قبل 61 عاما. هذه نظرة محايدة من متفرج على الحياة على هذا الكوكب، لست ملكيا ولا جمهوريا على الإطلاق.

أولا يجب أن نصحو على أن كل الثورات تؤدي إلى كوارث، لأنها لا تهدم النظام السياسي فقط بل تهدم كل المقاييس ونسيج المجتمع وتطلق يد الرعاع والقرارات الارتجالية الشمولية، وهو ما يؤدي دائما إلى عواقب سيئة مهما كانت النوايا في البداية.

ينطبق ذلك على جميع الثورات من الفرنسية إلى الروسية والصينية والإيرانية والثورات اللاتينية والأفريقية وثورات منطقتنا في الخمسينات والستينات، التي أشعلها احتقان الصراع الأيديولوجي العالمي وأطلقت شرارتها ثورة جمال عبدالناصر، مثلما حدث في عدوى ثورة تونس في عام 2011.

ينبغي ألا نتجاهل الجانب المظلم للثورات. الثورة الفرنسية على سبيل المثال كانت ثورة اجتثاث عمياء، وعلى مدى عشرات السنين كان كل من يرتدي ملابس أنيقة أو نظيفة أو يتحدث بلكنة أرستقراطية أو حتى مثقفة، يمكن أن يتعرض للقتل باتهامه بأنه بورجوازي، وهناك عشرات الكتب عن الجانب الحقير لتك الثورة.

لم تكن أوضاع الفقر وتسلط الإقطاع في العراق قبل الثورة ذنب النظام الملكي وحده، حيث كان غالبية سكان أوروبا ربما في وضع أسوأ

سوء الثورات وكوارثها يرتبط بمدى قسوة النظام المخلوع، فالشعب الذي كان خانعا أو مقموعا بدرجة أكبر يفجر ثورة أكثر قسوة وانحطاطا وفوضى.

انظروا إلى الفارق بين ما حدث في تونس وبين ما حدث في ليبيا وسوريا واليمن. السبب هو أن زين العابدين بن علي، لم يكن بقسوة معمر القذافي وبشار الأسد وعلي عبدالله صالح، ولم يكن النسيج الاجتماعي ونسيج الدولة في تونس مدمرا حين قامت الثورة، مثلما هو الحال في ليبيا مثلا، ولذلك تمكن التونسيون من احتواء قوى الظلام والفوضى ولم يتمكن الرعاع من تدمير كل شيء.

إسقاط النظام في العراق في عام 2003 لم يكن ثورة، لكنه يشبه الثورات في إطلاق الفوضى وتدمير كل مؤسسات الدولة وغزو الرعاع لجميع المناصب في حالة فرهود شاملة.

أما تبرير ثورة 1958 بانتشار الفقر والمعاناة في العهد الملكي، فينبغي الانتباه إلى أن ذلك الوضع كان يعم جميع أنحاء العالم. معظم كبار السن في بريطانيا يؤكدون أن أبرز ملامح طفولتهم حتى الخمسينات وبدرجة أقل في الستينات والسبعينات، هي الجوع، باستثناء طبقة وسطى أكبر نسبيا مما في العراق.

الإنتاج الواسع والوفرة الاقتصادية ظاهرة حديثة، بدأت تتسارع منذ السبعينات. أما قدرات الحكومات على التأثير في المجتمع في ذلك الوقت، فكانت محدودة في كل أنحاء العالم. ولم تكن تلك الحكومات تملك قدرة الثوار على اتخاذ قرارات شمولية تدمر كل شيء تحت شعارات الاشتراكية المثالية.

شاهدت مقابلة مع ملياردير بريطاني هو ديفيد غولد، أحد مالكي نادي ويست هام. وحين سئل عن طفولته في منطقة شعبية شرق لندن في الخمسينات، أجاب بأنه لا يذكر سوى الجوع الدائم بالنسبة له ولجميع سكان المنطقة.

يجب أن نصحو على أن كل الثورات تؤدي إلى كوارث، لأنها لا تهدم النظام السياسي فقط بل تهدم كل المقاييس ونسيج المجتمع

لم تكن أوضاع الفقر وتسلط الإقطاع في العراق قبل الثورة ذنب النظام الملكي وحده، حيث كان غالبية سكان أوروبا ربما في وضع أسوأ، خاصة في إسبانيا والبرتغال وجنوب إيطاليا وإيرلندا. وكلنا يتحدث أحيانا عن جوانب إيجابية كثيرة في ذلك العهد مثل الشفافية، وكل بوادر التغيير التي لاحت قبل ثورة 1958 من خلال الكثير من الخطط وبرامج مجلس الإعمار.

كل دول العالم وضمنها أوروبا الغربية كانت في وضع مشابه نسبيا للعراق، لكنها تطورت تدريجيا دون تدمير وهدم شامل ودون الحاجة إلى ثوار، لا جيفارا ولا ناصر ولا عبدالكريم عارف.

كل ذلك يتضح عند المقارنة بين الدول التي قامت فيها ثورات والدول التي نجت من الثورات، سواء في أوروبا أو في أي مكان في العالم. لا توجد أي ثورة شاملة واحدة في تاريخ البشرية أدت إلى وضع أفضل.

8