في رأسي دكتاتور

السبت 2014/08/09

هذا هو التصميم الجديد لخَبَل الأرض. سيناريو متين صبور انصنع في غرف حصينة تحت الأرض، ليس بسببٍ من عبقرية وفذاذة الصانع، بل هو من غباء وتخلف الضحية التي صارتْ حاضنة دافئة لموتها وانقراضها العظيم.

ألشعوب المختلطة الدابة فوق أرض الله لا تثور، فإنْ فار دمُها وفزّتْ آدميتها وثارتْ وكنستْ الدكتاتور من على عرشهِ الخاوي، وجدتْ نفسها في مواجهة غير عادلة مع ماكنة ضخمة تفرّخ دكتاتوريين وفسدة وكذابين وحرامية غلاظ قلوب قساة. أو أنها ستواجه ثنائية أو ثلاثية أو رباعية، عرقية إثنية آيديولوجية ستأكل بعضها بعضاً من بعضها، في متوالية دامية لا تتعب من منظر الدم ومشوى الجثث.

سنكفرُ بالسائد من نتاج مطبخ الغفلة إن سبَبْنا العنب الأسود وأفتينا بأنّ حال الرعية المقهورة المظلومة المهانة المذلة، المهدور دمها وعرضها ومالها وكرامتها الآن، كانت أحسن من باب القياس والمقاربة وهي تعيش في ظلّ الدكتاتورين صدام حسين وزين العابدين والقذافي وحسني وعلي صالح وبشار الأسد. لقد كانوا أكثر طمأنينة في ظلّ دكتاتورهم المغرور، وكان يكفيهم الغناء والرقص ببابهِ وتأليف وموسقة الطقاطيق الوطنية، أو الصمت والمشي بسدّ الحوائط، فهي خير وقايةٍ وخير حافظٍ من غضبة دكتاتور إذا غضب.

لا هجرة ولا تهجير ولا مهانة مخيم ولا باب لجوء ولا وحشة غربة ولا تمطيقة قدّام موائد لئام، ولا شيعة وتشيّع ولا سنّة وتسنّن، لا داعش ولا ماعش، ولا مسيحية وجزية ولا هدر دمٍ ولا تكفير، ولا كائنات ملثمة مقملة مقطمة منغّلة جعلت من الناس تكرهُ دينها وسماواتها وكتبها المنزلات، ولا تقية ولا أقنعة، ولا غزاة أميركان وحوش حرامية كَذَبَة، لديهم برميل النفط الأسود، أعزّ وأغلى وأجمل من برميل دمنا الرخيص.

كأنَّ الدكتاتور المرح كان يزرعُ قدمهُ الثقيلة فوق بالوعة شرّ، وإذ انشالت تلك القدم الصمّام، ظهرت مسبحة من جيفٍ وأبالسة من صنف تلك النوائم الكواسر في صندوق ” باندورا ” المخيف.

ثمة قولٌ انطبخ في موقد الغزاة قبل وبعد خراب البصرة وأخياتها، واستهتر بلحم البشر وأحلامهم وكينوناتهم، زبدتهُ تريد تطميس عقل الأوادم في وحل فكرة أنّ الثورة المبروكة لن تأكلَ أفراخها، وستنتج عصر حرية وديمقراطية رحيمٍ، وهذه الرحمة تستأهل هذا السعر الكونيّ من دماء الناس وكرامتهم ودمعهم الجاري مثل بحر ملحٍ وأجاج.

قولٌ أعرج أعمى أصمّ، والناس جلّهم يمارسون التقيّة التي أسوأ وأحطّ وأوضع أصنافها، هي ذلك النوع المميت الذي تقترفهُ كمشة كتّابٍ أدباء تتناود رؤوسهم وكؤوسهم، وهم يتصايحون برشقة متصلة من مفردة “لله” ساعة ينصتون إلى شاعرٍ وغدٍ مبحوحٍ كان يتلو عليهم ما تيسّر ببطن ذاكرته، من سخيف الشعر وسقط الكلام وسكراب الحروف. مع مواساتي القوية.

24