في رثاء الرومانسية الفرنسية وحقيقة المساواة بين الجنسين

الطريق نحو المساواة في المسائل المادية ما زال طويلا في فرنسا، فالمرأة وفق الإحصائيات تحصل على راتب أقل من الرجل.
الاثنين 2018/06/04
فرنسيات ينددن بالتحرش

باريس – وافق أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب)، في الآونة الأخيرة، على تشديد القوانين ضدّ مكافحة التحرّش والعنف الجنسي، وبانتظار مناقشة الحيثيات في مجلس الشيوخ، بات يتوجّب على من يقومون بأيّ معاكسات، بما فيها اللفظية، في شوارع فرنسا ومواصلاتها وأماكنها العامة من كلا الجنسين، دفع غرامات فورية تصل إلى 750 يورو، مع تخصيص ما يزيد عن 10 آلاف شرطي بشكل علني وسرّي للرصد والمعاقبة في بلد تلقى فيه امرأة حتفها كل ثلاثة أيام بسبب العنف.

وفي حين وضع القانون أساسا لمحاربة تحرش الرجال بالنساء، حيث قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن القانون يهدف إلى ضمان “ألا تشعر النساء بالخوف من الخروج”، سخر بعض المنتقدين من الإجراءات الجديدة لمواجهة التحرش واعتبروها نهاية للرومانسية الفرنسية، وإجحافا بحق الرجال لا يليق بفرنسا.

وليس ببعيد عن ذلك ما قامت به بلدية باريس منذ نحو العامين من إزالة ما يزيد عن مليون من أقفال الحب، والتي كان يعلقها العشاق على الجسور الرئيسة بالمدينة فوق نهر السين الذي كانت تُلقى فيه مفاتيح تلك الأقفال تعبيرا عن وفاء المُحبين، ما شكّل ضربة تمهيدية للرومانسية الفرنسية، ونهاية لأحد أهم التقاليد التي كان يحرص السياح العاشقون من مختلف أنحاء العام على اتباعها خلال زيارتهم للعاصمة الفرنسية.

هذا فضلا عمّا بات يُعرف باسم “متلازمة باريس” الصدمة الثقافية التي يعاني منها بعض السياح وخاصة الذين يستقرون لفترة طويلة في مدينة الجن والملائكة، التي يتم تصويرها دوما في أفلام السينما على أنها عاصمة الموضة والجمال والرومانسية، ويختارها كثيرون للزواج فيها وقضاء شهر عسل لا يُنسى انطلاقا من ساحة تروكاديرو الشهيرة المطلّة على برج إيفل الأشهر، لكنّ الواقع يبدو مغايرا في أحيان كثيرة.

وكانت الممثلة الفرنسية العالمية كاترين دينوف فاجأت مجتمع بلادها مطلع العام 2018، بدفاعها عن حق الرجال في مغازلة النساء وإظهار الاهتمام لهن. وشاركت رأيها هذا مع 100 امرأة فرنسية، فنانات وأكاديميات وكاتبات، نشرن رسالتهن في صحيفة لوموند الفرنسية للتحذير من نزعة فضائح التحرش الجنسي التي انطلقت من هوليوود نحو العالم. وأجمعت المشاركات على أنّ تلك الحركة تتبنى كراهية الرجال والحياة الجنسية، وهذا ما يخلق الشعور الدائم بأن النساء ضعيفات وضحايا.

وجاءت تصريحات دينوف الاستثنائية وسط موجة عالمية تتهم رجالا بالتحرش الجنسي في مجالات الأعمال والسياسة والفن والسينما على وجه الخصوص، مما أدّى إلى تدشين حركات احتجاج واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لكنّ الغريب، وفي الوقت الذي صوت فيه البرلمان الفرنسي على قانون منع التحرش، فإنّ اقتراحا لتغيير سن الدخول في علاقات جنسية بالتراضي بهدف حماية القصر في قضايا الاغتصاب لم يحظ بالدعم اللازم رغم تدخل مجلس الدولة السلطة القضائية الأعلى، وانتقد العديد من أصوات الحكومة الفرنسية التي تخلت عن إقرار نص يتضمن افتراض عدم الرضى لممارسة الجنس بالنسبة للأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة.

ترفع فرنسا على الدوام، وفي كل مكان، شعارات الثورة الفرنسية “الحرية والإخاء والمساواة”، وتعمل على المساواة بين الجنسين في جميع مجالات الحياة. وسبق للرئيس الفرنسي أن أعلن في مناسبات كثيرة أنّ المساواة بين الجنسين هي القضية الكبرى الذي يتبناها في فترة حكمه الممتدة على خمس سنوات، وطالب باعتماد منهج دراسي لمكافحة التمييز ضد المرأة، لكنّه بالمقابل فشل في منح زوجته لقب السيدة الأولى. لكنّ آخرين ينظرون إلى حقيقة هذه المساواة بين المرأة والرجل من جوانب أخرى، حيث يجدون أنّ التمييز قائم بالفعل في الكثير من المسائل الأساسية في الحياة.

مع بداية العام الجاري، وما إن أطلقت رئيسة بلدية إحدى المدن الفرنسية الصغيرة حملة واسعة للتوقف عن عادة تقبيل الرجال للنساء على الخدّين بشكل تلقائي كتحية عند اللقاء، حتى ثارت التساؤلات حول حقيقة وواقع المساواة بين المرأة والرجل في كل نواحي الحياة في فرنسا.

وكانت أودي بيكار وولف، رئيس بلدية موريت بمدينة غرونويل، قد طالبت في رسائل إلى نظرائها رؤساء وأعضاء بلديات في جنوب فرنسا، بالامتناع عن تقبيل النساء على الوجنتين، معتبرة أنّ ذلك نوع من التمييز ضد النساء وعدم المساواة مع الرجل، وأنه حان الوقت لكي يغير الفرنسيون من سلوكهم الاجتماعي وعاداتهم المتعارف عليها، وأن يعودوا إلى تحية النساء عبر المصافحة باليد، كما مصافحة الرجال للرجال. وبررت بيكار وولف موقفها بأنه يجعل المرأة أقل ارتياحا وينتقص منها اجتماعيا.

ومن النادر أن تجد في باريس صالون تجميل خاصا بالنساء فقط، إذ لا يسمح القانون بالفصل بين الرجال والنساء في أيّ مجال. أما في المدارس فالمساواة قائمة بالفعل دون تمييز بين الذكور والإناث منذ مراحل الطفولة الأولى، ويبقى الأمر كذلك في كافة الفصول الدراسية والأنشطة الرياضية المختلفة، من الحضانة وحتى الجامعة.

أما في الحياة المهنية فلا توجد أي مهنة ممنوعة على المرأة، وهي بالتأكيد لا تحتاج إلى موافقة من أحد الرجال كي تبدأ العمل، لكنّ الطريق نحو المساواة في المسائل المادية ما زال طويلا في فرنسا، فالمرأة وفق إحصائيات رسمية تحصل على راتب أقل من الرجل على الرغم من تمتعها بنفس الشهادات الجامعية والمهارات والخبرات المطلوبة.

وتجدر الإشارة إلى أن الزواج الديني غير معترف به لكافة الأديان، ولا يتم الاعتراف إلا بالزواج المدني الذي يجري عادة في دار البلدية بإشراف رسمي. لكنّ الكثير من الفرنسيات لا يحبذن إحدى أهم العادات والتقاليد في الزواج الموجودة في المجتمع الفرنسي والغربي عموما، والمتعلقة باتخاذ المرأة لقب عائلة زوجها، ويعتقدن أن قيام الزوجة بتغيير اسمها والاستغناء عن لقب عائلتها لا يصب أبدا في إطار المساواة بين المرأة والرجل في نظر بعض النساء”.

ويجب ألا نغفل عن قضية قواعد اللغة الفرنسية، وهي قضية لا يستهان بها نظرا إلى مدلولاتها العميقة، وقد تمّت إثارتها كثيرا في الأوساط الأكاديمية والمجتمعية والحكومية، حيث رأى المطالبون بالمساواة بين الجنسين أنّ تغليب المذكر على المؤنث في قواعد اللغة هو تحيّز كبير ضدّ النساء، ولا مكان له في اللغة الفرنسية عام 2018.

وما نخلص إليه أن المساواة بين الجنسين في فرنسا مطلوبة حتى في قواعد اللغة، لكنّ الحقيقة قد لا ترضي الكثيرين من دعاة تلك المساواة في العالم.

6