في رثاء فلسطين

الأحد 2015/09/20

الأحداث المؤسفة التي تشهدها مدينة القدس الشريف ومسجدها الأقصى المطهر، ذكرتني بفيلم وثائقي بثته قناة فلسطين اليوم تحدث عن زيارة وفد من المجالس المحلية الغزاوية للرئيس جمال عبدالناصر بعد نكسة 1967، وكان لافتا قول الرئيس لزائريه “يكذب عليكم أيّ حاكم عربي يزعم أن لديه خطة لتحرير فلسطين”.

وقصة العرب مع قضيتهم المركزية لا تقل مأساوية عن معاناة أصحاب الأرض، فالعرب تم تسويق الاستبداد والتخلف على رقابهم باسم القضية كما نكلت بالفلسطينيين جرائم الاحتلال وشططه، لنصبح أمام طرفي معادلة “أياديهم المرتعشة لا تقوى على البناء” أو التحرير، العرب تحتلهم نخب فاسدة ظالمة وفلسطين يحتلها الدخيل العنصري.

وبدا لافتا ذلك التشابه بين إسرائيل وخصومها، إذ نرى اليوم ما يسمى بـ”حزب الله” محصورا في العناصر الشيعية تماما كما أن إسرائيل تعرّف نفسها وطنا يهوديا صهيونيا، وتلك الصبغة الدينية التي تطغى على الدولة الصهيونية نجدها كذلك في حركة (حماس) الغزاوية، ولست أدري كيف ظن العرب أن إسرائيلات صغيرة يمكن أن تلغي إسرائيل الأم، بل لعل الدولة الإسرائيلية -لأنها دولة- استفادت من تلك الإسرائيلات في تشريع وجودها، فالحزب الطائفي ومن يطالب بدولة أو بثورة إسلامية أو يعمل بولاية الفقيه أو بولاية المرشد لا يحق له الاعتراض على دولة يهودية.

الإسرائيلات العربية، ميليشيات أو دول، ومنذ نشأة الكيان الصهيوني، لم تتوقف عن تقديم الخدمات للعدو بتشريع عنصريتها، إذ لم تتمكن النخب الحاكمة من الحفاظ على تنوعها المحلي ضمن اليهود أولا، ولاحقا وبالتدرج البطيء، ضمن كل ما هو آخر، فمن يتباكى اليوم على مسيحيي العراق وسوريا وأيزيدييها لم يتباك بالأمس على يهود مصر ولبنان والعراق، وعجبا من استياء بعضهم اليوم من مقولة “كلهم كفار” وهو من تقبّل بالأمس مقولة “كلهم خونة”، إنها مأساة عسر الهضم العربي والإسلامي لقيم المواطنة والتنوع التي وصلت مؤخرا إلى الإرهاب السلفي/الشيعي، وما زلنا نلحظ، إلى اليوم، الأعمال الدرامية التي تنظر إلى الصراع العربي/الإسرائيلي عموما والمكون اليهودي خصوصا بعين عنصرية، وما يزيد الطين بلة تلك العين الحنونة التي يغطي بها البعض المحرقة النازية، ونستشهد بتركي الحمد حين يقول “أن يحاول البعض تبرئة النازية من جرائمها، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وعلى رأسها تصفية الأعراق غير المحبذة، مسألة غاية في الخطورة من حيث إعطاء مبرر لممارسة الإقصاء بالعنف لأيديولوجيات أخرى يسيّرها المنطق ذاته، وتقوم على البنية ذاتها، حتى وإن لم يكن صراحة كما فعلت النازية، وذلك كما يفعل البعض اليوم بإنكار حدوث المحرقة اليهودية إبان الحقبة النازية. والقضية هنا ليست قضية الذين التهمتهم المحرقة أو هويتهم، هل هم ستة ملايين أم أكثر أم أقل، وهل هم من اليهود فقط أم من أعراق أخرى، بقدر ما أن القضية في المبدأ نفسه ومن الموقف ذاته. فالذي يقتل يهودياً لأنه يهودي، إنما يعطي المبرر لآخر أن يقتل العربي لأنه عربي، أو المسلم لأنه مسلم، أو المسيحي لأنه مسيحي، وعلى ذلك يمكن القياس”.

الفلسطينيون ضحايا إسرائيل وضحايا محيطهم وأنفسهم فضلا عن إرهابيي الإسلاموية وشعراء القومية العربية.. لطف الله بفلسطين وأصلح حال العرب

عرب 48

قبل سنوات وقعت عيني على برنامج يديره أحد مدعي الإعلام المصري (وائل الأبراشي)، إذ أجرى المقدم اتصالا بيهودي مصري مهاجر وسأله بحدة “ما هو موقفك من إسرائيل ومن جرائمها اليومية ضد الفلسطينيين”، وأجاب الضيف الهاتفي بأن موقفه من إسرائيل هو نفس موقف الدولة المصرية التي وقعت اتفاقية سلام وهو نفس موقف منظمة التحرير التي وقعت اتفاقيات أكثر، أما العمليات التي تستهدف المدنيين والمسالمين والعزل فهي محل إدانة أيّا كان فاعلها، لكن تلك الإجابة لم ترق للأبراشي ولا لضيفه الرئيس الذي حمد الله على طرد اليهود من مصر للتخلص من عملاء الصهيونية، وانتهت الحلقة من دون أن يتفضل الأبراشي بمنح صك المواطنة ليهود مصر، وأسهب ضيفه عن قصص القبض على عملاء لإسرائيل ضمن اليهود المصريين، ولعلي أتساءل هنا عن العملاء المسلمين والعرب الذين قبض عليهم الفلسطينيون أو غيرهم، لماذا لا نسحب تهمة العمالة والخيانة على طوائفهم وجماعاتهم؟

لم يتحمل العرب عربا مثلهم أيضا، فهؤلاء عرب 48 داخل تصنيف الخيانة والعمالة، ليكون ظلمهم مضاعفا من مستعمر أجنبي ومن مستعمر وطني، وقد نجحت إسرائيل باستقطاب شريحة كبيرة منهم في ظل ثقافة إسلامية طائفية وإهمال عربي مقصود. لم يتحمل العرب عربا مثلهم مجددا، فاللاجئون الفلسطينيون يقاسون أسوأ أحوال المعيشة في لبنان وغيرها، لم يرد العرب أيّ تمييز بين أخطاء القيادة الفلسطينية، المسؤولة تاريخيا بقوة عن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، وبين شعبها المسكين، ليمارس بعض العرب انتقاما مزدوجا من النفس ومن التاريخ. هدد ياسر عرفات الرئيس سليمان فرنجية بالاغتيال إذا أصدر تشريعات تحسّن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين كي لا ينشغلوا بهموم العيش أو برغد الحياة عن القتال.

يئن الأقصى وتبكي قدسه هذه الأيام، وقد قام صاحب هذه السطور شخصيا بمساندة الجهود الفلسطينية والأردنية، بحملات وبيانات ومقالات، مطالبا بالسماح للعرب وللمسلمين بزيارة الأراضي المحتلة بشكل رسمي ودائم لإحياء التواصل المعنوي والمادي مع الأرض وأهلها وقضيتها، ولأداء حقوق دينية وسياسية وإنسانية أكبر من شكليات ما يسمى بالتطبيع، والشكر موصول للسيد إياد مدني (أمين منظمة التعاون الإسلامي) على الانخراط في هذه الدعوة رسميا وأرجو أن تكلل جهوده وجهود منظمته بالنجاح، ولعل أساطين المقاطعة يعترفون بنتيجة منطقهم الذي أفضى لقطع كل تواصل بين العرب وقضيتهم، ثم أدى إلى استفراد إسرائيل ثقافيا واجتماعيا، غير الفعل العسكري والسياسي، بالأرض وبالأهل وبالمقدسات. قلنا إذا أردتم أن تحاربوا إسرائيل أو تسالموها عليكم أن تعرفوها، فقالوا هذا هو التطبيع وتلك هي الخيانة، كما اتهموا سلفا من أرادوا النهضة والإصلاح بالتصهين أو بالكفر.

الوسيط العادل

“من جرب المجرب عقله مخرب”، والعرب لا يتعلمون حتى من أمثالهم، فبعد أن تيقنوا من استحالة إيجاد حاكم عادل لشعوبهم، ثم قاض عادل لمحنتهم، تمخضت أوهامهم بفكرة “الوسيط العادل” الذي سيعيد للفلسطينيين حقوقهم وينحاز مجانا للعرب ويحرج إسرائيل ويجبرها صاغرة ذليلة على تنفيذ معادلة ليس للعرب فيها شيء “الأرض مقابل السلام” والأرض تحت سلطة إسرائيل والسلام بيد آلة الحرب الإسرائيلية كما حلل الصافي سعيد، والطريف أن هذا الوسيط ليس الولايات المتحدة وليس روسيا أو الاتحاد الأوروبي، وكأننا سنبحث عنه في عالم الحيوان أو في مجرات فضائية أخرى. فكرة الوسيط نفي للذات ومضيعة للوقت ومجافاة للعقل وللمنطق، فالضغط على إسرائيل يتحقق بالمصالح المشتركة وحدها.

يفشلون إذا أرادوا الحرب كفشلهم في الجنوح إلى السلم، فتاريخ الحروب العربية الإسرائيلية ليس فيه، فعليا، غير يوم انتصار واحد هو 6 أكتوبر 1973، والمقاومات المسلمة كحماس وغير العربية كما يسمى بحزب الله تنتصر بمجرد بقاء الرأس على الرقبة، ونصرها بحاجة إلى جهد تنظيري جم تأويلا وفلسفة لإقناع الجمهور بأن عدم الخسارة نصر، مع العلم بأن أحوال المناطق التي تنتمي لها المقاومات لا توحي بأي انتصار.

يقول السياسي الأردني المخضرم مروان المعشر إن فشل مشاريع السلام يعود إلى عدم وقوف العرب والإسرائيليين على قلب رجل واحد سلما.

ونضيف أن الفشل الحربي كمقاومات يعود لتسخير ما يسمى بالنصر لصالح دول أجنبية ثم باستثماره ضد الدولة الوطنية، وحجة المقاومات الميليشياوية عدم اعترافها بالدولة الوطنية، فهي غير موجودة إلا في لحظة الحاجة، وما عداها فتمارس المقاومات عملا منظما بنقضها عبر بناء سلطة موازية وكسر احتكار قراريْ السلم والحرب وحق الإكراه المشروع، لينطبق على المقاومات حقا حال القاتل الذي مشى في جنازة القتيل.

لا رجاء في مقاومة تعمل ضدّ الدولة الوطنية أو لا تؤمن بها، وعجبا من مقاومة نتوخى انتصارها على إسرائيل ومشروعها الاجتماعي والثقافي أسوأ من إسرائيل نفسها، سواء كانت حماس أو حزب الله، فهذا الحزب لم يرشح في قوائمه الانتخابية أو الوزارية امرأة منذ تأسيسه، ولا يضم الحزب أيّ عنصر خارج الطائفة رغم تنوع معاقله الجغرافية فتراكم التعنصر الطائفي فوق التشدد الديني، وهذا ينسحب على حماس أيضا بدرجة أو بأخرى، لتكون المقاومات نسخا مصغرة من إسرائيل وربما أسوأ، هذا غير مرض الحكم الديني واستهدافها لإخوة الوطن وأهل الجوار، وها هي القدس تنزف والحزب الإلهي يزعم الدفاع عنها في العراق واليمن وسوريا والحمقى يسيرون خلفه إلى الهاوية، وحماس تحولت تماما إلى سلطة انطوائية ونهمة لا همّ لها إلا مداخيل الأنفاق بين غزة ومصر.

لن ينجح العرب حربا أو سلما من دون أن تقوم لهم دولة محترمة تحتضن مواطنيها بالانتماء كما تعانق قضاياها بالاهتمام، وسوء إدارة الأنظمة العربية لتشعبات القضية الفلسطينية في وجه الصلف الإسرائيلي إضافة إلى التراجع التنموي والسياسي والاقتصادي

نسمع نظريات طريفة بأن حزب الله سيحمي المسيحيين وهو لا يتوقف عن قتل السنة، كما أنه سيحمي الليبرالية العربية رغم تسميه بـ”حزب الله” وانتظاره لإطلالة المهدي المنتظر ونتائج الوحي السماوي للمرشد الأعلى، وهو أيضا سيحمي لبنان مع أنه يعرّف نفسه بـ”المقاومة الإسلامية في لبنان ووكيل الثورة الإسلامية الإيرانية” بدلا من “المقاومة الإسلامية اللبنانية” ليصبح لبنان مجرد حيز جغرافي ومسرح عمليات، أما حركة حماس فتريد تحرير فلسطين كلها وهي عاجزة عن إدارة قطاع غزة بكفاءة، وربما استهدفت مؤخرا أخوتها في حركة فتح أو في مصر أكثر من استهدافها لإسرائيل.

نفتقد الدولة التي تتعامل مع إسرائيل على النحو السوي: لا سلام لمجرد السلام ولا قتال لمجرد القتال، الدول العربية ليس في يدها أن تتعامل مع إسرائيل لأنها بعيدة، في المجمل، عن مفهوم الدولة، وأقرب معايير الدولة يتجسد في الشرعيّة، إن شرعيّة نجوم برامج الواقع التي تبثها القنوات العربية، للأسف، أصدق من شرعية بعض الحكام العرب! حين أوفد الرئيس أنور السادات رئيس وزرائه مصطفى خليل للتفاوض مع مناحيم بيغن، قال الأخير “أنا أمثل الشعب الذي انتخبني، من تمثل أنت؟”.

لن ينجح العرب حربا أو سلما من دون أن تقوم لهم دولة محترمة تحتضن مواطنيها بالانتماء كما تعانق قضاياها بالاهتمام، وسوء إدارة الأنظمة العربية لتشعبات القضية الفلسطينية في وجه الصلف الإسرائيلي إضافة إلى التراجع التنموي والسياسي والاقتصادي، أضعف هيبة الدولة العربية وسمح للإرهاب بقضمها كما سمح للمقاومات باستهدافها، لكن الحد الأدنى من الدولة لا بد من التمسك به والبناء عليه.

22 إسرائيلا

الحكام العرب رفعوا شعار القضية الفلسطينية لتعطيل التنمية ووأد التحول الديمقراطي، ولا نرى أرضا تحررت أو ديمقراطية أنجزت أو تنمية تحققت، وكأصدقائنا الإسلامويين الذين يغفرون للحاكم حتى الكفر مقابل انخراطه في السلك الطائفي، يغفر أصدقاؤنا القوميون للحاكم استبداده وفشله وفساده لمجرد التمسح براية فلسطين، وفي النهاية تدمرنا وتدمرت القضية.

النخبة الفلسطينية السلطوية، التي تشبه إسرائيل كذلك، تتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية عن حال القضية، فالأموال التي قدمها العرب لقضيتهم المركزية كافية لتحرير فلسطين أربع مرات على الأقل، والفلسطينيون يقتتلون على سلطة أرض محتلة كأنهم يتصارعون على حكم دولة نفطية ثرية ومستقرة، وفي اضطهادهم لبعضهم جعلوا الإسرائيليين أكثر رحمة في بعض الأحيان، وقبل ذلك كله مارسوا نزقا إسرائيليا واضحا حين طمعوا في ابتلاع لبنان والأردن واستهدفوا المسيحيين خصوصا، ومن يتباكى على مجازر صبرا وشاتيلا وتل الزعتر عليه ألاّ ينسى مجزرة الدامور.

إسرائيل باقية وتستقر، خصوصا وأن جيرانها هم في حقيقتهم 22 إسرائيلا على الأقل بما في ذلك فلسطين، انضمت لهم مؤخرا إيران كإسرائيل جديدة وهي تحتل أرضا عربية وتؤجج الاقتتال الأهلي والطائفي في المنطقة، كما تفضلت “مشكورة” بسحب رصيد مهم من المشاعر السلبية ضد إسرائيل إليها، والنتيجة منطقة مشتعلة وإسرائيل متنعمة ومتغوّلة، أنظر إلى المنطقة من حولك وقل لي أيّ جماعة أو دولة تلك التي ستحرر فلسطين، أهي تلك التي تشبه إسرائيل عنصرية أو تطرفا دينيا أو تسلطا أمنيا أو كهنوتا رجعيا فضلا عن الدول التي تمثل ذروة التخلف بمفهومه الشامل والاستبداد بصورته المجردة والصرفة مقابل إسرائيل الممتازة بمكانة تقنية وعلمية مرموقة دوليا، ولا أنسى أن تلك الإسرائيلات لم تضع يوما أو تعلن لحظة خطة لتحرير فلسطين وعلى رأسهم عبدالناصر، وقد وجدت أن تلك الدول التي وقعت السلام مع إسرائيل أشرف من نظيراتها دولا وميليشيات اللاتي استمرأن الاحتيال والاستبداد باسم القضية على أهلها وعلينا.

دع عنك ضبابية المفاهيم وعوار بعضها، ودع عنك سذاجة الأساليب وهشاشتها وتخبط الأدوات، الفلسطينيون ضحايا إسرائيل وضحايا محيطهم وأنفسهم فضلا عن إرهابيي الإسلاموية وجرذان السلطة وشعراء القومية العربية، ووددت المطالبة بتسليم قيادة القضية إلى إسرائيلي لأن نتائج ذلك، في مفارقة ساخرة ومبكية، ستكون أفضل من مآلات الحال، وأستند في ذلك إلى ثورة دينية في النصف الأول من القرن العشرين بأميركا الجنوبية سلمت قيادتها لملحد نظير كفاءته وحنكته، وحتى هذه لم تعد متاحة، وكأن إسرائيل أصبحت تتشبه بنا، فالقيادات التاريخية انقرضت لصالح نتنياهو التافه، وأخبار الفساد وإدانات القضاء التي طالت الرئيسين أولمرت وكاتساف وغيرهما مؤشرات انحدار كما هي دلائل صحة، لطف الله بفلسطين وأصلح حال العرب.

صحافي سعودي

6