في رحيل الشاعر السويدي توماس ترونسترومر

الأحد 2015/03/29
ترونسترومر شاعر صوفي بعوالم رمزية ورؤى متناقضة للوجود

غاب عن عالمنا توماس ترونسترومر (1931)، أستاذ الاستعارة وفخر الشعر الأسكندنافي عقب الحرب العالمية الثانية. في موطن نوبل فاز بالجائزة بعد طول انتظار عام 2011، ولكنه فاز بها قعيداً على كرسي متحرك، ولم يكن قد نطق بكلمة منذ عقدين.

احتفت به الأكاديمية السويدية “لمنحه إيانا وسيلة نضرة تصلنا بالحقيقة عبْر صوره البلاغية المكثفة شبه الشفافة”. والسكتة الدماغية التي نالت من الشاعر عام 1990 لم تحل دون أن يتجاوز تأثير ذي الوجه البشوش، وإنما المنعزل، أوروبا إلى الشرق الأوسط والأميركيتين.

لا يعوز شعر ترونسترومر قبسٌ من النغمات. فقد أبدع في عازف البيانو، وبعد أن خسر يدَه اليمنى، استحوذت يسراه وحدها على مفاتيح الآلة. ولأجل خاطره عدَّل له الملحنون السويديون مقطوعاتهم لتصير صالحة للعزف بيد واحدة فقط. فكانت الموسيقى عزاءه النفسي عما افتقده من تواصل لفظي مع العالم. وبالرغم من الإعاقة واصل الكتابة لينشر ديواني “غندول الأسى” و”اللغز العظيم”، وبعدها اعتزل الكتابة وتفرغ للبيانو.

البساطة الشعرية

منذ أن نشر ترونسترومر ديوانه الأول تحت عنوان أكثر من متواضع “سبع عشرة قصيدة” في مقتبل عقده الثالث، ودواوينه السريالية تزخر، رغم سهولتها، بعاطفة محتدمة تستعصي على التعريف أو الإلمام بها. تحتل الطبيعة في شعره مكانة وأيّ مكانة، ومعها يصطف التاريخ المهدور والذاكرة المنسية عمداً والفناء المحتوم المحتفى به.

ومن طبيعة الأرض الثرية والخُضرة الغنَّاء تلقى دروساً في خطورة الادعاء، فتحلى ببساطةٍ أقرب إلى الزهد الخجول، لتُنير أبياتُه المغروسة في تجاربه بقاعاً خفيَّة من حياتنا اليومية، فتخْلق من المبتذَل سطوراً مذهلة وصفها أحد النقاد بأنها “صلوات علمانية”.

سُمى ترونسترومر “بالصَّقر الجَرّاح”، فهو مَن أشرف طائراً على أرض موطنه وسمائها، رانياً بشعره إلى ساحل السويد المسنَّن، وإلى غابات الصنوبر وما تضربها من عواصف مباغتة، وإن وعى حقاً أن “كل صورة تجريدية للعالم في مثل استحالة رسم مخطَّط لعاصفة” كما قال.

اليقظة والحلم

لا تخلو دواوين ترونسترومر من تناقضات وازدواجية. يشْرع في رسم البحر الهائج والأشتية اللانهائية بأسلوب مقتصِد كالصادرة عن متلعثم، وإذ بالمشهد الذي لاح خاملاً غير معجِز يحوي بعد عدة سطور تفاصيل مصقولة مرهفة، وعلى حميميتها بها من المكر ما بها.

يلخص شعرَه الشاعرُ الأسكتلندي روبين روبرتسون، ومترجم بعض أعماله، بأنه “عالمٌ مزدوج من الظلام والنور، اليقظة والحلم، الإنسان والآلة، الثبات والاهتياج”، عالم نسجه بكلمات باردة كشتاء السويد بأقل حد من التزويق والزخرفة حتى إن لجنة نوبل أثنت كل الثناء على اقتضابه.

مقطعان من شعر توماس ترونسترومر من قصيدة "في العلانية"
متاهةٌ خريفية متأخرة

زجاجة مرمية تقبع عند مدخل الغابة.

ادخلها. فالغابة في هذا الفصل قصرٌ

من الحجرات المهجورة يلفها الصمت

ما بها إلا بضعة أصوات دقيقة:

وكأن أحداً يرفع الغُصَيْنات بملاقيط؛

وكأن مُفَصَّلة تَصِر بهدوء

داخل كل جِذْع شجرة.

تنفس الصقيعُ على عيش الغراب فذبل وذوى؛

إنه متاعٌ شخصي خلَفه متوارٍ عن الأعين.

يكاد يحل الغسق. يجب أن ترحل الآن،

أن تعثر على معالمك من جديد:

الأدوات الصدئة في الحقل

والمنزل على الجانب الآخر من البحيرة

بني مُحْمَّر، مُرَبَّع، متين، مثله مثل مكعب المَرَق.

***

خطابٌ من أميركا أطلقني،

دفعني إلى ليلة بيضاء في يونيو

عبْر شوارع الضواحي الشاغرة

بين مبان مشيدة،

رصينٌ كالطبعة الزرقاء،

جديدة جدةً مجرَّدة من الذكريات.

يكتب في إحدى قصائده، "الدنيا تشتعل. لرؤية طائر القنبرة المرتعش، يعي شبكات من جذور الأشجار الهائلة، ومصابيحها المتمايلة تحت الأرض. ولكن فوق الأرض، تقف الخُضرة -فيضان استوائي- بأذرع مرفوعة، تنصت إلى نبض قلب خفي".

فطن ترونسترومر إلى أن شوقه إلى الطبيعة لا يختلف كثيراً عن الشعراء الأسكندنافيين إلا أن اقتضابه الميتافيزيقي عند استحضارها بلغة شحيحة مرهفة كان مبتغاه الأول والأخير.

برر غايته بأن اللغة “تسير جنباً إلى جنب مع الجلادين. لذا يجب أن نستحدث لغة جديدة”.

لم يعتقد أن اللغة الطنانة التي توخّاها شعراء الحداثة السويدية بمقدورها أن تنفذ إلى نفسه فيما استوعب خير استيعاب تلهفَه على تصوير الواقعية الحميمة بين الإنسان والطبيعة. فالأشكال الشعرية الكلاسيكية حمَلت على حد تعبيره “لهيباً رومانتيكياً لا يُروى”.

لذلك عقد العزم على الانهماك في مشروع لغوي متفرد، منتهجاً الإيجاز السينمائي منهجاً، وواضعاً نصب عينيه اللوحات اليابانية البسيطة مثالاً، مخاطراً بأن يظن القارئ أبياته تافهة بلا طعم، فالفراشة البيضاء قد تستحيل في شعره، “ركن الحقيقة المرتعد ذاته”.

وفي إثره جاء صديقه الشاعر السويدي لارس غوستافسون الذي باح ذات مرة في حوار صحفي، “كنا نقارن مخطوطاتنا ونحذِّر أنفسنا ألا نصبح مثل الأسماء الكبيرة، مثل غونار إيكيلوف أو إريك ليندجرين”.

وهكذا سبح ترونسترومر بغريزة المجدِّد عكس اتجاه التيار الأدبي السائد، بل وعكس المحتفى به وقتذاك، طامحاً إلى المزيد والمزيد من التبسيط في عالم شائك بالتعقيد المذِّل، “الصحو قفزةٌ بالباراشوت من الأحلام. حراً من الاضطراب الخانق، يهبطُ المرتحلُ نحو طوق الصباح الأخضر”.

عالم بالنفس

لم يهمل ترونسترومر عشيقته الثانية، علم النفس، ووهبها من وقته وروحه، بل ووظَّفها خادمةً لشعره دون أن يضجرنا بالإشارات الطبية المعقدة. اكتشف في النزعات الإنسانية المتناقضة والأقطاب المتضادة ملعباً شعرياً استثنائياً، ناظراً بعين العطف، لا النقد، إلى ردود أفعال البشر حين يجدون أنفسهم بلا حراك عند تقاطعات الحياة المحورية.

وفي أكثر ديوانه تأثراً بعلم النفس، “نوافذ وأحجار” (1966)، طوَّر فن الرحلة الشعري وتلاعب بالمجاز تلاعباً سبر معه أغوار العقل البشري وألغازه.

قضى أغلب حياته المهنية عاملاً في مؤسسات حكومية بالقرى الصغيرة. حلَّل نفسية المراهقين الجانحين والمدمنين على المخدرات، شدَّ من أزر المعاقين، ولم يسْلم من تنمر خريجي السجون.

وبالرغم من انهماكه في العمل العام، بدا وكأن النقاد يجِدُّون في التفتيش عن العيوب عندما وصموا دواوينه بأنها “لا مجتمعية”. الحق أن ترونسترومر كان اشتراكياً بيد أنه لم يود قط الانخراط في أحبولة السياسة وجدالها.

ومع أنه آثر أن ينأى بنفسه عن الجدل العام، تحدث حين ألح عليه الحديث، فقد ألَّف ديوان “دول البلطيق” (1974) عن ديمقراطيات وديكتاتوريات حاقت ببحر البلطيق خلال الحرب الباردة.

دقة صوفية

ومع زحف السنوات والعقود، اصطبغت قصائد ترونسترومر بألوان قاتمة بشعة، وغصَّت بالأسئلة الوجودية عن الموت والمرض بنبرة قاسية تتراءى أحياناً وكأنها عالمة بالغيب، “الصبي المريض. المسجون في رؤيا، بلسان في مثل تيبس البوق”. (قصيدة “بعد هجوم”).

رأى الشاعرُ الكونَ بدقة أقرب إلى النَشْد الصوفي غير أنه ساير الإلحادَ الخطوة تلو الخطوة، ولم يستهوه الدين التقليدي في شيء. يكتب في قصيدة “في العلانية”، “الشمس تسفع والطائرة هابطة، تطرح ظلَها صليباً هائلاً، وهي تهرع على الأرض. يربض رجلٌ على شيء في الحقل.

يَبلُغه الظل. وللحظة يقبع وسط الصليب. رأيتُ الصليب يتعلق من أقواس الكنيسة الفاترة. أحياناً ما يبدو كلقطةٍ من السُعَار”.

دواوين ترونسترومر السريالية تزخر بعاطفة محتدمة

الإنسان والماكينة

كثيراً ما لجأ ترونسترومر إلى الرمزية في سعيه إلى القبض على عالم روحي خفي تنكَّر له الإنسان، متأملاً وعينا السطحي بهذا العالم مقارنةً بالواقع المعيش بكل ما يحسره من بيروقراطية وتقدم تكنولوجي. بل إن الشاعر يتطرف فيدين التطور البسيط البدائي، كمشهد سيارة ترتحل بسائق لا حول له ولا قوة في حركة مرور جماعية.

لا تفوتنا صورة الإنسان العاجز أمام الأقدار العنيفة في عدد من هذه القصائد. يخال الإنسان أنه “بماكينته محصَّن”، وإذ بالشاعر يُقحم في سبيله بلغته المتجردة قوى ميكانيكية لاعقلانية، فتتهدده بوصفها أخطارا بدائية.

هكذا يبدو الإنسان في شعر ترونسترومر، مخلوق مصغَّر يتطلع إلى القدَر من علو، يلمّ به الضعف، منتزَع من أحضان الطبيعة، تحميه ماكينته الوديعة في الظاهر، ولكنّ منعطفاً أهوج قد يودي به في لحظة مشحونة بالذعر العصبي والدوار.

وهنا تصطدم الممارسة العصرية المجتثَّة “بقوى لا واعية غير مرئية -عتيقة، غامضة، لا تعرف الصفح- تلْبد أسفل عقولنا اليقظة” كما كتب روبرتسون.

إن الشاعر مهووس ولا شك بلحظة الرؤيا والتجلي، إنها “أماكن للتلاقي” كما وصفها ذات مرة، نقاط من الكشف المباغت، وهجْرها في سبيل شيء آلي، سريع، ولا ريب أنه صناعي بلا مغزي، يفضي في اعتقاد الشاعر إلى تآكل النفس البشرية.

المبكر والمشكل والموجع

كتب ترونسترومر سيرته الذاتية “ذكرياتي، انظري إليّ” بعد أن صار نصف مشلول محروماً من نعمة الكلام. حكى فيها ذكريات نشأته بين الطبقة العاملة المتعلمة بستوكهولم في حضن نظام ديمقراطي اجتماعي مغلَّف بأخلاقيات البروتستانتية اللوثرية التقليدية.

يسرد في سيرته أنه “بدأ بشعاع من النور، مُذَنَّبٌ يصير استعارةً مشعَّة لحياتي”، وهو يحاول اختراق المبكِّر والمشكِّل والموجع من ماضيه ويفك أسرار اكتشافه لفن الشعر ذاته. خالج ترونسترومر الفخر دوماً لأنه واحد من البشر، “لا تخجل لأنك آدمي.

كن فخوراً! فبداخلك ينفتح سردابٌ تلو السرداب بلا نهاية. لن تنتهي مطلقاً، وهو ما ينبغي أن يكون”.

15