في رفع الالتباس الليبرالي: العلمانية صيانة للدين وليست نقيضا له

واقع التطور السياسي العربي في السنوات الأخيرة كشف حقيقة أن السر وراء توسع وتشعب حركات الإسلام السياسي بكل أصنافها في الوطن العربي، لا تتسبب فيه تركيبة وأيديولوجية تلك الحركات فقط، بل إن الفهم الغامض والملتبس لمكانة الدين ودوره بالنسبة إلى الشعوب لدى الليبراليين يعد أيضا أحد أسباب تفشي الإسلام الحركي داخل المجتمع العربي.
الاثنين 2016/01/25
السواد بديلهم عن العلمانية

منذ انطلاقة ثورات الربيع العربي، وبروز حركات الإسلام السياسي ووصول بعضها إلى الحكم، وكذلك تصاعد الجهادية بتنويعاتها، خاصة في سوريا والعراق، فتح نقاش علماني إسلامي، حول صلاحية الإسلام في زمن الحداثة وحقوق الإنسان، وقدرته على مواكبة العصر، وقدرة الإسلاميين على الحكم والتوفيق بين الشرع وقيم الحداثة، وعن حقهم في أن يخوضوا العملية الديمقراطية وأن يكونوا جزءا من الحكم.

هناك خلط عام لدى أنصار العلمانية في نقاش الإشكالية الإسلامية العلمانية، فهم يرون جانبا من المشكلة ولا يلحظون ربطها بالجوانب الأخرى، وفهم العقلية الإسلامية وكيف يتم تسييسها. إذ يقول أنصار الإسلام السياسي إن الإسلام أسس في الماضي دولة مدنية، وإن الشرع قادر على احتواء الحداثة، وإن الإسلام الذي يتحدثون عنه مختلف عن إسلام داعش والنصرة، رغم أنهم لا يقطعون مع تلك التنظيمات الجهادية ولا يأخذون الموقف الحاسم منها؛ إذ من الواضح ضياعهم بل وعجزهم الأيديولوجي عن ذلك.

ويرون كذلك أن سبب فساد الشعوب العربية هو عدم تطبيقها الإسلام الصحيح، وليست لديها القدرة، وفرادى أو مؤسسات دينية أو أحزاب وحركات، على تقديم تعريف واضح للإسلام الصحيح، أو ما اعتاد الليبراليون تسميته بالإصلاح الديني.

يرد أنصار العلمانية، ومعظمهم متأثرون بالفكر الليبرالي، بأن المشكلة في الإسلام من أصله، وأن التاريخ الإسلامي يحتوي على الكثير مما يعادي شريعة حقوق الإنسان، وقيم الحداثة. وهم بذلك يلخصون مشكلتهم مع الإسلاميين بأن الإسلام يشكل أيديولوجيا للبيئات التي تحتضن الحركات المتطرفة، لذلك فهم يقبلون بالاعتدال الإسلامي في السياسة، إذ أنهم في الوقت ذاته يصطدمون بتقبل الإسلاميين للديمقراطية، والتي تعني هنا صندوق اقتراع وحسب، ولا يعارضون حقهم في الترشح في الانتخابات والفوز بمقاعد الحكم.

ولكن هذه المنهجية في الرد على الإسلاميين تشوبها عدة أمور. أولها أن أصحابها يرفضون الإسلام السياسي من زاوية إشكاليتهم مع الإسلام كدين، وبالتالي هم هنا يخلطون بين السياسة وحق الشعب المسلم في التدين كما يشاء.

وهذا الخلط هو ما يتمعش منه ويستغله الإسلاميون؛ وبذلك فإن العلمانيين يخدمون فكر الإسلاميين، فالتراث الإسلامي في سوريا عريق، وهو جزء من تراث كل السوريين، مسلمين وغير مسلمين، مؤمنين وغير مؤمنين، ومن الخطأ نسفه من قبل العلمانيين، والعبث به واستغلاله من قبل جماعات الإسلام السياسي.ويخطئ العلمانيون بحصر مآخذهم على الإسلاميين بالتطرف، وبالتالي تقبّل اعتدالهم المزعوم.

يجب وضع الدين في مكانه الصحيح كمرجعية مواطنية وإنقاذه من التسييس الذي يتمعش منه الإسلاميون

وفي الواقع إن المآخذ كثيرة وكبيرة على الإسلاميين؛ وأهمها افتقادهم إلى رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية تحقق تقدم المجتمع، والأنكى من ذلك ارتباطاتهم وتبعيتهم بالضرورة لدول إقليمية، وبالتالي فهم لا يحملون مشروعاً وطنياً يخص السوريين، سوى مشروع النظام القديم في انتهاج السياسات الليبرالية الجديدة، والتبعية الاقتصادية والسياسية، ولكن بشكل أكثر تخلفاً عن النظام الحاكم في التربية والثقافة والتعليم.

وكثيرا ما يتشعب النقاش مع الإسلاميين إلى الخوض في تفاصيل الدين والتاريخ الإسلامي وصحة الفتاوى. إذ يرى أنصار العلمانية أن الدين عموما، والإسلامي منه خصوصا، هو سبب تخلف الشعوب العربية، وفسادها أيضاً، وأن التحرر منه هو سر تفوق الغرب وحسن أخلاقه. في حين أن الإسلاميين يقولون العكس، شرط تطبيق الشريعة والإسلام الصحيح. وهنا يخطئ أيضاً العلمانيون من حيث أنهم لا يدركون أن النقاش ينطلق من منطقين مختلفين؛ الأول منطق الإيمان بالمسلمات، فيما الثاني، يرى من خلاله العلمانيون، وأعني منهم الماديين هنا، أن تلك المسلمات غير منطقية بالأصل ومحض خرافة، ما يجعل النقاش عقيماً وينتهي إلى التكفير واتهام العلمانيين باتباع الإلحاد كبدعة غربية.

الفرد في مجتمعاتنا كثيراً ما يضطر إلى اللجوء إلى الغيبيات والماورائيات، فقبل كل شيء هو تربى عليها في البيت والمدرسة ودور العبادة، ولأنها تقدم له ما يسكن حاجته إلى معرفة المجهول، والشعور بالاطمئنان والراحة النفسية، وكلما اشتدت المحن والتضييق اللذين يعيشهما الفرد، خاصة ما يتعلق بالتفقير وانسداد الأفق، كلما زادت حاجته إلى التدين والتشدد فيه، فهو هنا يساعده على التعايش مع الواقع.

وكذلك الأمر في ما يتعلق بالتجهيل المتعمد للشعوب في مجتمعاتنا، وبالتربية الدينية والأسرية القائمة على الخوف من كسر التابوهات، وهي بالضرورة صورة عن تربية السلطة وثقافتها، وارتباط ذلك في الكثير من الأحيان بالحماية الاجتماعية والقبول في المجتمع.

لا تجب مواجهة الإسلام السياسي من زاوية مواجهة الإسلام كدين، فالتدين حق وفصله عن السياسة حق

تغيير ذلك بالضرورة مرتبط بتغيير عقلية السلطة، وهي في سوريا مثلاً ليست علمانية، ولا دينية أو طائفية، بل سلطة شمولية، أي صنعت نفسها كخليط معقَّد يستغل تناقضات المجتمع، ويرهبه بعنف غير مسبوق في الآن نفسه.

من حق الشعب، أفراداً وجماعات، الإيمان بالدين الذي ولد عليه وهو تدين الفطرة، أو اختاره، وممارسة شعائره، وفتح المدارس الخاصة به. كما أن تطبيقَ الشريعة في الأمور الشخصية حق للبشر، مهما بدت للحداثيين أنها بعيدةٌ عن قيم المجتمعات المتحضرة.

كما أنه من حق الجميع انتقاد الأديان، دون إهانة متّبعيها؛ ولكن ليس من حق السياسيين استغلال الدين وحاجة الشعوب إليه. كما أنه من واجب العلمانيين التفريق بين الدين والسياسة، والعمل على توعية الشعوب بخطر استغلالهم لصالح مجموعات الإسلام السياسي.

يجب وضع الدين في مكانه الصحيح، أي كمرجعية أخلاقية لصالح المواطنة، وإنقاذه من التسييس والتطييف الذي يعتاش عليه الإسلاميون.

ولا بد من أن تكون الدولة الحديثة علمانية أي تقتضي حياد الأديان عن السياسة، وأن تقوم على فكرة المواطنة، وليس المعايير الطائفية والقومية؛ ويمكننا مراجعة الدول التي حققت تقدماً في ذلك، كتركيا وماليزيا وإندونيسيا. الدولة العلمانية هي ما يكفل صون الأديان عن العبث بها، وما يكفل كذلك الحد من ظاهرة التطرف التي تجتاح العالم العربي.

13