في زمن اللامعقول

الخميس 2014/05/08

أعلن الرئيس السوري بشار الأسد ترشحه للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في يونيو القادم. ستجري هذه الانتخابات وسوريا تعيش حالة حرب بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، بسبب أن الشعب تجرأ وقال “لا” بصوت مرتفع، وأراد إسقاط النظام، وأراد القليل من الحرية والقليل من العدالة والكرامة الإنسانية.

الصورة التي تأتي من سوريا هذه الأيام، والتي تختلط فيها المأساة مع الملهاة، وينتصر فيها اللامعقول والعبث على العقل والحكمة، إن دلت على شيء فإنما تدل على احتقار الشعب والاستهتـار بمشاعره وآلامـه.

لا نتكلم هنا عن مئات الألوف من القتلى والمفقودين والمهجرين واللاجئين، لا نتكلـم عن دمار بلد بأكمله وتفكك جغرافيتـه، ولا نتكلم عن التدخـلات الخارجيـة سـواء أكـانت مساندة للنظام أم تتعاون مع الثـورة، بل نتـكلم فـقـط عن الشروط الموضوعية التي لابد أن تتوافر في أية انتخابات حتى تسير بطريقة عادية تتطلع من خلالها إلى المصداقية وتحاول أن تلامس الشفافية، وتكون مقبولة من طرف الرأي العام والخـاص، ولعـل أول هـذه الشـروط هي تـوفر الأمن والاستقرار حتى يتمكن أي مرشـح من طرح مشروعه وعرض برنامجه للجمـاهيـر التائقـة إلى التغييـر والتجديـد.

والسؤال الذي يطرح هنا: هل يتوفر الأمن والاستقرار في سوريا حتى يتمكن النظام من إجراء أية عملية انتخابية؟ الإجابة ببساطة وباختصار شديد لا. ولكن هذه الإجابة قد لا ترضي حاكم دمشق- وأعوانه- في الداخل والخارج، ويعتبرها جزءا من المؤامرة الكونية التي تسعى إلى النيل من سوريا وقيادتها الحكيمة، وتعمل بكل ما أوتيت من قوة وجهد لكي تضعف محور المقاومة، الممتد من لبنان حزب الله إلى دمشق الأسد إلى عراق المالكي إلى جمهورية ولاية الفقيه في طهران.

فالقيادة الحكيمة في دمشق ربما تعتقد أن الحرب ضرورة حتمية، ومرحلـة في حيـاة وتاريخ الشعوب لابد أن تعاش من أجل الوصول إلى التطور والرقي، وربما تعتقد أن حالة الخوف ضرورية للشعب حتى لا يتجرأ مرة أخرى، ويقول “لا” لسادته وأولياء أمره.

وربما تتصوّر أن القصف بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية لابد منه لكي تتخلّص الدولة من الزوائد والجراثيم التي تعكر العيش السعيد.

وربما ترى أيضا أن الانتخابات في هذا الوقت، وفي مثل هذه الظروف هي أكبر رد على المشككين في شعبية الأسد، ومدى تعلق الجماهير به، لأنه ببساطة وقف وحيدا في مواجهة المؤامرة الكونية التي استهدفت الأمة، وللأسف اشترك فيها الشقيق مع العدو.

هذه التفسيرات ليست معقولة عند الملاحظ الحيادي، أو المساند للشعب السوري، ولأن هذه القيادة تحاول أن تقنع السوريين وغيرهم باللامعقول، وتنقلهم من حياة الواقع إلى عالم اللامعقول، لذلك لا نستبعد القول إن الهزيمة في عرف هؤلاء قد تصير انتصارا، والحرب سلاما، والكذب حقيقة، والعمالة وجهة نظر، والوطنية عملة مزيفة.

ألم يقل بشار الأسد إن سوريا انتصرت، ودليله على ذلك هو عودة روسيا إلى المحافل الدولية حيث أصبحت قوة مؤثرة وكلمتها مسموعة. رئيس دولة يختزل انتصاراته وإنجازاته في أنه أرجع روسيا إلى سابق عهدها في التاريخ، ولا يلتفت إلى آلام شعبه ومآسيه، ولا إلى بلده الذي أصبح قِبلة لتجار القتل واللصوص.

سوريا للأسف نتاج تهوّر قادتها تحتضن صراع الأقوياء على أراضيها أميركا مع إيران، وإسرائيل مع حزب الله، وروسيا مع أميركا وأوروبا، والخاسر الوحيد من كل هذه اللعبة الدولية هو سوريا الشعب والتاريخ والحضارة.

ولأننا في زمن اللامعقول فقد تصير الخسارة ربحا، وقد يخسر الشعب السوري وطنه وعائلته ومأواه، ولكنه في منطق هؤلاء ربح زعيما كبيراً، ولا يهم بعد ذلك إن قُتل شعب وتشرد، ودُمر وطن وتفكك ما دام الرئيس باقيا. اللامعقول ليس محصورا في سوريا فقط، بل هو ممتد إلى العالم العربي كله من المحيط إلى الخليج.

ذلك أن السمة المشتركة التي تشترك فيها الدول العربية هي حياة العبث واللامعقول حتى أبسط القواعد الحياتية التي حفظنـاها منذ الصغر، والتي تؤكد على أن مقولة “العقل السليم في الجسم السليم” أصبحت لا تليق بعصرنا وحياتنا، ومشكوكا في فاعليتها، فها هو الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة يترشح للانتخابات الرئاسية، ومع أنه مريض ودواعي رفض ترشحه متوفرة، إلا أنه يُقبل من طرف الهيئات القانونية المختصة، بل ويفوز بنسبة عالية فاقت 80 بالمئة، ويؤدي القسم الدستوري على كرسي متحرك، ولم يستطع أن يكمل خطابه الأول لشعبه، وإذا تكلمت عن هذا العبث، قيل لك إنك عميل وضد الاستقرار والأمان، وإذا قلت لهم إن الذي لا يقدر أن يؤدي القسم واقفا كيف به أن يقوم بواجباته تجاه وطنه وشعبه، قيل لك إن عبدالعزيز بوتفليقة يفكر بعقله وليس برجليه، ويزيدك أحد مسانديه بالقول أن عقله- أي عقل بوتفليقة- يزن أكثر من عقول 38 مليونا (وهو عدد سكان الجزائر بحسب آخر الإحصائيات).

وفي لبنان ديمقراطيـة الطوائـف المتوافقـة تترنح، ووصلت إلى طريق مسدود، حيث أصبح الصراع سيد الموقف، والولاء للخارج هو الذي يحسم نتيجة الصراع، واليمن بعد الثورة يبحث عن ذاته وطريقه، ويطرح سؤال الوحدة الكبير، أيتواصل لقاء الشمال مع الجنوب أم أن الانفصال هو الذي يحسم بُعْدَ العقول وتشنج القلوب في النهاية؟ ما هو موقف الحوثيين من قضايا الوطن وثوابته؟ وهل يذوبون في الدولة الأم، أم أن ولاءهم لولاية الفقيه في إيران هو الذي يحدد رأيهم؟

قد نجد أن هذه الأحداث معقولة في عالم يعيش أجواء حرية غير مسبوقة، يعبر فيها المضطهدون عما يختلج في صدورهم، ويجول في خواطرهم بحرية دون حسيب ولا رقيب، لأن هناك صراع إرادات بين الثورة والثورة المضادة، ولكن اللامعقول هو أن يقول البعض دون حياء أو خجل، لماذا انتفض شباب الفيسبوك والتويتر واليوتيوب على سادتهم، حتى أصبحت الفوضى دين المرحلة والسّمة الغالبة في دول الربيع العربي، وأصبحت أغلبية الشعب تتوق إلى الأمن وتطلب الاستقرار، بل وتتحسر على أيام الديكتاتور (القائد الأكبر) المستقرة كما يبدو؟

إنه زمن اللامعقول يا سادة، ولابد على الشعوب العربية أن تَعْبُر مراحل، وتضحي بأجيال حتى يتوافق تفكيرها مع تفكير قيادتنا الحكيمة، لذلك يجب على الجيل الجديـد المحكوم عليه أن يعيش في جمهوريـة القيادة الحكيمة أن يسلم عقله للقائد الأكبر فهو يفكر ويحلل ويقرر، وما على هذا الجيل إلا التطبيق والتنفيذ، وحتى تنجح هـذه العملية لا بد عليه- أي الجيل- أن يصوغ مفاهيم وقواعد جديدة تتسق والمرحلة المعيشـة، المهـم أن يعرف أن الحقيقـة هي الكذب، والسلام هو الحرب، والصحة هي المرض، والعقل هو الجنون، والرداءة هي الكفاءة. عندما يعرف الجيل الجديد هذه القواعد، ويؤمن بجدواها وفاعليتها، يستطيع أن يعيش في جو تسوده الطمأنينة والسكينة.


كاتب جزائري

9