في سحر السياسة

الاثنين 2014/03/31

قليلون من يذكرون اسم كارل شميت، قليلون من يجرؤون على الاستشهاد بآرائه أو ترديد أقواله، لكن الكثيرين يدركون حجم أثره على الفكر السياسي المعاصر. من هو كارل شميت؟

أولا، إنّه المنظر الإيديولوجي الأبرز للنّازية الألمانية، والذي اعتقلته القوّات الأميركية بعد هزيمة الجيش الألماني في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، ثم أمضى حوالي سنة في أحد المعتقلات مع الأعمال الشاقّة قبل أن يطلق سراحه دون محاكمة، ثم عاش إلى حدود سنوات الثمانين، وقد أصدر خلالها العديد من الدراسات والمؤلفات… وليس هذا كل ما في الأمر.

ثانياً، إنّه أوّل شخص عرّف السياسة، ليس باعتبارها فنّ الممكن كما كان يردد لينين، وإنّما، باعتبارها فنّ التمييز بين العدو والصديق، وبمعنى أوضح فإنّ السياسة عنده هي القدرة على تحديد معسكر الأعداء، على طريقة جورج والكر بوش يوم قال: من ليس معنا فهو ضدّنا. وانطلاقا من هذا التعريف القديم/ الجديد، يبدو وكأنّ وجود خصوم وأعداء أصبح أمرا ضروريا لأجل ممارسة الفعل السياسي.

والمشكلة هي أنّ هذا التعريف “النّازي” لحرفة السياسة لم يختف عقب اندحار التّجربة النازية، بل تسرّب بهدوء حتى أنّه يكاد يصبح تعريفا رسميا للسياسة. وفي المقابل، لم تفلح الفلسفة السياسية المعاصرة إلى حد الساعة في تقديم أطروحة مضادّة تستند إلى إمكانية ممارسة الفعل السياسي انطلاقا من فرضية صفر عدو. وفي كل الأحوال، لا يزال هذا الرهان بعيد المنال. والمؤكد أنه منذ سقوط النازية- والتي كان اليهود والشيوعيون والمثليون أعداءها المفضلين- وإلى حدود الساعة، لم تتمكن أية نظرية سياسية من ادعاء إمكانية ممارسة السياسة دون افتراض وجود خصوم وأعداء.

وبلا شك، فإن غياب الأطروحة المضادّة لأطروحة كارل شميت في حقل الفلسفة السياسية المعاصرة، يمثل فراغا كبيرا يحاول أن يملأه الأصوليون والمتطرفون والمحافظون والفاشيون والعنصريون، وذلك من خلال «تسييس» الناس عبر تحريضهم ضدّ العدو- الشرير- المتسخ- الخائن- الكافر- المرتد- إلخ.

الاعتقاد بأنّ الفعل السياسي يتوقف على وجود عدو، هذا ما يفتح الباب على مصراعيه أمام الخطابات الشعبوية القائمة على منطق التحريض والتجييش والتهييج، والتي لا تنتج غير العنف والعنف المضاد، ومن ثم تطلق العنان لغرائز الحرب والعدوان.

عود على بدء، هل يحتاج الفعل السياسي التعبوي سواء في الإطار الوطني أو القومي أو الإقليمي أو الدولي إلى فرضية وجود خصوم وأعداء؟

كثيرون من يملكون جرأة قول “نعم” بالصوت المسموع: اليمين المتطرف في أوروبا، اليمين اليهودي في إسرائيل، الأصولية الدينية في العالمين العربي والإسلامي، إلخ. وفي المقابل فإنّ من يجرؤون على قول “لا”، لا يقولونها بصوت مسموع.

لكن، لنبق واقعيين، هل يمكن أن يختفي الأعداء بمجرّد أن ننكر وجودهم؟ طبعا لا؛ ففي الحياة أعداء وفيها أصدقاء، وفيها بين بين، وهذا طبيعي. لكن السؤال، ما وظيفة السياسة على وجه التحديد؟ هل وظيفتها تحديد معسكر الخصوم والأعداء؟ ثم ماذا بعد؟ ألن تصبح السياسة بهذا النحو ملاذ من ينظرون إلى العلاقات الإنسانية بمنطق الاحتراب والتدافع والزّحف؟ أليس هذا هو المناخ المناسب للأصوليين والمتطرفين والفاشيين ونحوهم؟ والآن، هناك تصور أكثر نبلا وواقعية:

بكل تأكيد، لسنا نعيش في عالم من الأصدقاء فقط، لكن أمامنا فرصة لأجل ذلك. وتلك الفرصة تحملها السياسة. لنُعد تعريف السياسة على النحو التالي: السياسة هي فن تحويل الأعداء إلى أصدقاء. وهنا يكمن سحر السياسة.


كاتب مغربي

9