في سرت الليبية.. سريعا صعد داعش وسريعا إلى زوال

بشكل سريع ومفاجئ، سيطر تنظيم داعش على مدينة سرت شرقي ليبيا؛ ما أثار الرعب من احتمال تمدده في المنطقة، خاصة وأنه كان يأمل في جعل سرت عاصمة لما يسميها “الخلافة الإسلامية” في شمال أفريقيا. غير أن هذا الصعود سرعان ما تراجع تحت وطأة عملية عسكرية ليبية بإسناد جوي أميركي.
السبت 2016/12/03
داعش لا يمكنه الصمود أكثر

سرت (ليبيا) - شهدت سرت في عام 2011 آخر المعارك بين القوات الموالية لثورة 17 فبراير وبين كتائب نظام العقيد معمر القذافي، وهي معارك ضارية شاركت فيها أغلبية ما تعرف بـ”كتائب الثوار” من الشرق والغرب والجنوب الليبي.

وتمكنت “كتائب الثوار” بعد قتال شرس دام أسبوعين، وانتهى آخر سبتمبر 2011، من السيطرة الكاملة على مدينة القذافي، الذي حكم ليبيا لأكثر من 42 عاما انتهت بمقتله عام 2011.

اتفقت هذه الكتائب آنذاك على تسليم سرت إلى “كتيبة ثوار مدينة سرت”؛ باعتبارها “الأقدر والأنسب لإدارة المدينة وحفظ أمنها”، دون الانتباه إلى ميولها السلفية الجهادية.

وسريعا ما انصهرت كتيبة ثوار سرت، حسب روايات سكان من المدينة لوكالة الأناضول، في ما يعرف بـ”اللجان الأمنية العليا”، وهو جسم أطلقه أواخر عام 2011 المجلس الانتقالي الليبي، الذي تولى إدارة شؤون البلد عقب إطاحة الثورة الشعبية بالقذافي، بهدف استيعاب الكتائب المسلحة التي انتشرت إبان الثورة.

وتقدر مصادر ليبية أن انصهار الكتيبة في اللجنة لم يكن اقتناعا بالدولة الليبية أو انتماء لها، بل كان للاستفادة من الإمكانيات التي وفرتها الدولة لهذه اللجنة الأمنية.

وبقيت في المدينة “كتيبة شهداء الزاوية”، إلى جانب كتيبة ثوار سرت، بقيادة صالح أبوعليقة، أحد الضباط السابقين في الجيش الليبي، والذي انشق عن نظام القذافي وانضم إلى الثورة، وهي كتيبة من مدينة بنغازي (شرق) وصلت إلى سرت؛ للمشاركة في المعارك ضد كتائب القذافي، ثم قررت البقاء في المدينة.

ومع بداية 2013، دخلت سرت كتيبة ثالثة، وهي “كتيبة الفاروق”، ذات التوجهات الجهادية، والتي جاءت من مدينة مصراتة (شمال غرب)، وعلى رأس الكتيبة أحمد التير؛ وذلك بعد فشلها في الترويج للتيار الجهادي بين شباب مصراتة.

ومثلت كتيبة الفاروق ذات التوجهات الجهادية دعما لـ”اللجنة الأمنية في سرت”، التي تحمل التوجه الجهادي نفسه، قبل أن تقرر القوتان، منتصف 2013، الانصهار تحت راية ما بات يعرف بـتنظيم “أنصار الشريعة”، الذي يتبنى تفسيرا متشددا للشريعة.

وهكذا صار المشهد الأمني في سرت منقسما بين قوتين أساسيتين، وهما أنصار الشريعة، بقيادة أحمد التير المكنى بأبي علي، وكتيبة شهداء الزاوية، بقيادة الضابط السابق في الجيش الليبي، صلاح أبوحليقة.

وسرعان ما بدأت المناوشات بين القوتين؛ لتصل في إحداها إلى مقتل ما يسمى بـ”أمير أنصار الشريعة”، أحمد التير، يوم 3 أغسطس 2013؛ مما أجج قتالا بين القوتين انتهى بعودة كتيبة شهداء الزاوية إلى بنغازي، في مارس 2014؛ لتصبح مدينة سرت بالكامل تحت سيطرة أنصار الشريعة.

واستقر الأمر لتنظيم أنصار الشريعة في سرت، حتى أواخر يونيو 2014، تاريخ إعلان العراقي أبوبكر البغدادي قيام ما أسماها بـ“الخلافة الإسلامية” من مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى، شمالي العراق؛ لتبدأ سلسلة من الانقسامات داخل صفوف أنصار الشريعة بين مبايع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ورافض له.

داعش يتراجع ويتقهقر، إلى أن أصبح اليوم محاصرا في منطقة الجيزة البحرية السكنية الصغيرة، ولا يتجاوز عدد مقاتليه العشرات

وبعد خروج كل من رفض مبايعة البغدادي من المدينة، أصبحت سرت أواخر 2014 تحت السيطرة الكاملة لداعش. وفي البداية لم يكشر التنظيم عن أنيابه ثم أصبح يتحكم في أدق تفاصيل حياة السكان.

أول مواجهة حقيقية مع داعش في سرت كانت في مارس 2015؛ إثر انسحاب قوات فجر ليبيا، من الموانئ النفطية، في إطار “عملية الشروق” العسكرية، التي كان هدفها تحرير الموانئ النفطية من قبضة مسلحين سيطروا عليها وأغلقوها.

فأثناء انسحاب قوات عملية الشروق من منطقة الهلال النفطي باتجاه مصراتة، أغلقت قوة تابعة لداعش الطريق أمامها في إحدى ضواحي سرت الشرقية، ليندلع أول اشتباك بين القوتين انتهى بمقتل وأسر عدد من مسلحي داعش، وفتح الطريق أمام قوات عملية الشروق. ومنذ هذا الاشتباك أصبح الجميع يدرك أن داعش يتمدد في سرت.

في هذه الأثناء كان داعش يعلن عن نفسه من حين إلى آخر، عبر استهدافه سفارات في طرابلس، أو تنفيذ عمليات انتحارية تستهدف بوابات مصراتة ومدن أخرى.

وبشكل صارخ ودموي، أعلن داعش عن نفسه من خلال إصداراته المصورة من سرت، أبرزها فيديو يظهر ذبح 21 مسيحيا مصريا كانوا مختطفين لديه، في فبراير 2015.

ومع الصعود السريع لداعش في سرت، قرر المجلس العسكري لمدينة مصراتة تكليف “الكتيبة 166” بتأمين سرت ودحر مسلحي داعش. غير أن الكتيبة واجهت قتالا شرسا من مسلحي داعش؛ ما اضطرها إلى الانسحاب إلى بلدة أبوقرين (على بعد حوالي 140 كم غرب سرت)، لتصبح هذه البلدة هي حدود تنظيم داعش في ليبيا.

في هذا الوقت، طور داعش قدراته العسكرية والتنظيمية، وسيطر أكثر على سرت، التي باتت معقله في بلد يعاني منذ الإطاحة بالقذافي من الانفلات الأمني وانتشار السلاح والصراعات المسلحة والسياسية.

وكان داعش معنيا بالأساس، وفق روايات، بالسيطرة على المدينة من خلال بث الرعب في قلوب سكانها. وتحت وطأة الإعدامات وعمليات قطع الأيدي، بدأ البعض من سكان المدينة في الخروج منها هربا من بطش داعش.

مع بداية 2016 بدأ داعش يفكر في التوسع داخل ليبيا. وحاول، مرارا، أن يتقدم شرقا نحو الموانئ النفطية للسيطرة عليها، غير أن محاولاته باءت بالفشل، ثم بادر بالتمدد غربا باتجاه مصراتة، ويبدو أنه كان يفكر في العاصمة طرابلس.

وفي بداية مايو 2016، هاجم داعش منطقتي بوقرين وسدادة، واستهدف القوات الموالية لمدينة مصراتة فيهما. وبعد ساعات قليلة على هذا الهجوم استنفرت مصراتة وعدد من مدن الغرب، ليجد داعش نفسه في مواجهة قوة عسكرية من حوالي 8 آلاف مسلح، بينما قواته لا تتجاوز 3 آلاف على أقصى تقدير.

وفي 5 مايو 2016 أعلن رسميا عن بدء عملية “البنيان المرصوص” العسكرية لتحرير سرت بالكامل من داعش.

ومنذ ذلك التاريخ والتنظيم يتراجع ويتقهقر، إلى أن أصبح اليوم محاصرا في منطقة الجيزة البحرية السكنية الصغيرة، ولا يتجاوز عدد مقاتليه العشرات. كما أن البعض من العائلات النازحة بدأت في العودة إلى سرت.

4