في سوريا حربان

الاثنين 2014/08/11

قبل نحو ثلاثة أعوام ونصف بدأ السوريون انتفاضتهم، انطلقت عفوية ومحصورة في بقعة جغرافية واحدة أو اثنتين، ورفعت شعارات محقة لكل شعب في العالم، الكرامة والعدالة والمساواة ومكافحة الفساد، كانت في بداياتها سلمية، تفنن في صياغاتها جيل من الشباب السوري الطليعي والمبدع، شارك فيها مثقفون وفلاحون وصغار الكسبة، وحمل المتظاهرون فيها لافتات تعبّر عن تطلعاتهم، ووزّعوا ورودا على الجيش، وسار المسيحي إلى جانب المسلم في المظاهرات، والكردي والعربي والآشوري، ومرّت الأسابيع الأولى كحلم لملايين السوريين الذين تأثروا وعانوا من الدولة الأمنية التي هيمنت على سوريا نحو خمسة عقود.

هذا الحلم الذي لم يكن يراود أي سوري حتى في منامه، خوفا من رجل أمن يقبع في كل مكان وينتظر هفوة منه، سرعان ما تحوّل إلى كابوس، فالرصاص الذي أطلقته قوات الأمن على المتظاهرين كان كفيلا بوأد الحلم، واستسهال القتل دفع النظام للمزيد منه، فاستبدل النظام البندقية بالمدفع والدبابة، وسقط السوريون بالمئات أسبوعيا، وتحولت الانتفاضة إلى ثورة، سياسية اجتماعية، وبات مطلب إسقاط النظام وآلته القمعية ودولته الأمنية مطلبها الأساسي.

سقط خيرة شبّان سوريا برصاص الأمن، مئات ثم آلاف فعشرات الآلاف، راح جيل كامل من السلميين المؤمنين بضرورة التغيير السياسي الاجتماعي السلمي التدريجي، ربما استهدفهم النظام دون غيرهم وفق ما تدّعي المعارضة، لأنه أرادها انتفاضة مسلّحة وهؤلاء يعيقون ذلك، أو ربما قُتلوا لأنهم رياديون لم يكونوا يرضون إلا بالوقوف في الصفوف الأولى في التظاهرات.

فوج وراء فوج رحل رياديو الثورة الشبّان، وخلفوا مكانهم لمحتجين وثائرين من الصف الثاني والثالث فالرابع، واستسهل غالبية المعارضين المخضرمين مغادرة البلد، وتقاسمتهم دول عربية وغربية، وشكّل كل من استطاع منهم تجمعا أو تيارا له، ومن هم منفيون خارجها أساسا وجدوا بالإعلام والإنترنت وسيلة للنضال أيضا، ودعا بعضهم لمواصلة السلمية وتأصيلها وتطوير أساليب الاعتصام والإضراب والعصيان المدني، فيما دعا بعضهم الآخر السوريين للتسلح والقتال، وراح جناح منهم يدعو الغرب للتدخل عسكريا لإسقاط النظام وإنقاذ سوريا.

من الصعب الحكم على هذه التيارات والتوجهات المتناقضة، لا أحد يستطيع الجزم أيها كان سيؤدي إلى أفضل نهاية، أو أيها كان سيوقف العنف والقتل والدمار، وأيها سيؤدي إلى إسقاط النظام، فكلٌ له مدرسته ومبرراته واقتباساته من تجارب التاريخ، واختلفت المعارضة السورية وانقسمت وتشرذمت، بينما السوريون يُقتلون بالمئات كل يوم، بمجازر ذات بعد طائفي وقصف عشوائي غالبه على المدنيين، وسلاح طيران ينــتقم من كــل شيء، ونــظام لا يرحم.

وحده النظام لم ينقسم، عمل خمسة عقود لبناء كتلة أمنية متينة وصلبة، درس الماضي والحاضر واحتمالات المستقبل، واستعد لهذه الاحتمالات، واستمر في حلّه العسكري الذي تحوّل إلى حلّ حربي، لم يبخل على الناس البسطاء بكل أنواع الأسلحة، واستخدم موارد الدولة وقدراتها لتحقيق أهدافه عسكريا وأمنيا واقتصاديا وإعلاميا، وسخّر رجالاته، من كل التيارات السياسية والطوائف والقوميات، ولم يهتزّ لمشاهدة عشرات الآلاف من الأطفال القتلى أو المعاقين، ولا لعشرات آلاف الأرامل والأيتام، استمر كالسهم باتجاه هدفه، ببساطة يريد قمع الثورة وتلقين درس قاس لكل من شارك فيها أو تجرأ وتعاطف أو صمت عنها، درسا لا ينساه السوريون بخمسة عقود أخرى.

لم يخجل النظام منذ البداية في أن يكون له خطاب إعلامي إقصائي ثم استبدادي ثم طائفي، ولم تحاول الميليشيات غير النظامية التي شكّلها أن تُخفي سطوتها ثم دمويّتها ثم طائفيتها، ولم يفت عن بال المخططين العسكريين أن يخططوا لاستهداف مناطق ثم فئات ثم طوائف بعينها، وكان لإشراك إيران وميليشيات حزب الله وأبو الفضل العباس وغيرها أثر سلبي في إثارة نعرات طائفية على أعلى المستويات.

أتى الرد سريعا من الطرف الآخر، المعارضة، فأصيب بعض المعارضين السوريين بنفس الأمراض، وتحوّل خطابهم لثأري وانتقامي، وأحيانا طائفي، وإن كان بنسبة أقل من النظام، وبدأت بعض الكتائب الثورية المسلحة تقتل ولا تأسر، وتبدأ معارك عبثية لا أهداف واضحة لها، ولا تأبه بأن تعمل في المناطق الآهلة بالسكان، وتستسهل إطلاق صاروخ تجريبي هنا وآخر هناك، حتى لو سقطت فوق منازل، وتدخل أحياء سكنية وهي تعرف أن النظام سيدمرها عن بكرة أبيها في اليوم التالي، وكذا الأمر الخطاب الإعلامي للمعارضة.

تحولت سوريا لرصاص مقابل رصاص، ومدفع مقابل مدفع، وإعلام مقابل إعلام، خطاب النظام الدوني يقابله سيل من الخطابات الدونية من معارضيه، والنعرات الطائفية التي أيقظها النظام أكملها بعض المسلحين الثوريين، وإن كان بنسبة لا تُقاس بين الطرفين، والجيش الإلكتروني المتوحش والطائفي الذي أنشأه النظام، تقابله جيوش على مواقع التواصل الاجتماعي، ومئات العبارات الطائفية والإقصائية التي لم يكن يعرفها السوريون أصبحت الحديث اليومي المتبادل بين مؤيدي النظام ومعارضيه، التخوين متبادل والتهديد متبادل والإقصاء متبادل، وهدر الدماء والوعيد بالانتقام بات أمرا مألوفا وعاديا.

لم تنته “الانتفاضة” السورية، ولم تمت كما يعتقد بعض المراقبين، أو كما يقول معارضون من أنصار السلمية، والثورة مازالت مستمرة، ولم يختلف الأمر بعد أن أصبح في سوريا حربان، حرب للمنتفضين والمعارضين والثوار، وحرب أخرى للمنتقمين والمستفيدين والموتورين، وكلهم يحاربون النظام الذي لم يرحم أيا منهم، ودفع خصومه إلى الحد الأقصى.

نحو ربع مليون قتيل ومثلهم من المختفين وضعفيهم من المعاقين لا شك أنه سيولّد جيلا راغبا بالانتقام والثأر، وفي نفس الوقت، ربع مليون قتيل ومثلهم من المختفين وضعفيهم من المعاقين لا شك سيولّد جيلا راغبا بإنهاء الحرب ووقف سفك الدماء، وكلٌ له مبرراته الإنسانية، لكن الغالبية من الطرفين لا يلتقيان، كلٌ يسعى لحربه، حرب أولى للانتقام وتهدئة فوران الدم وإرضاء أرواح الشهداء، وحرب ثانية لإسقاط النظام وإقامة نظام سياسي اجتماعي عادل ديمقراطي تعددي إنساني.

بكل الأحوال فإن الحربين في سوريا هما ضد النظام، الذي حاول أن يفني جيلا كاملا من السوريين الرياديين، مثقفين وكادحين، رجال أعمال وطلاب، ممن حلموا بدولة المواطنة، دولة القانون والمساواة، لكن الحرب بحد ذاتها ولاّدة، لكنها تلد من النوعين، رياديين ومقاتلين، أصحاب رؤية سلمية وعقل وأصحاب سلاح وانتقام، وتستمر الحربان إلى أجل، وربما يأتي يوم تضع فيه أوزارها، لكنها بالتأكيد لن تتوقف وستستمر أبدا طالما أن هناك استبدادا، وطالما لم تتحقق أهداف “الانتفاضة” السلمية الأولى، انتفاضة الكرامة والعدالة والديمقراطية.


إعلامي سوري

8