في سوريا حضر الموسم الدرامي، فهل حضرت الكوميديا؟

"ببساطة" في جزئه الثاني لامس "بقعة ضوء" دون أن يشعّ، ومحاكاة المسلسل لمشكلات حياتية طازجة يعيشها المواطن السوري يوميا بشكل فعّال، يمنحه بعض التميز.
الخميس 2020/05/07
"ببساطة 2" على خطى "بقعة ضوء"

حل الموسم الرمضاني الدرامي في هذا العام أثقل ممّا كان في سنواته الأخيرة على المواطن السوري الذي أرهقته الحرب التي تدور في وطنه، وما زاد من حدة القلق الذي يعيشه منذ سنوات وجود وباء كورونا الذي اجتاح العالم كله وأرخى بظلاله السوداء على المشهد الحياتي السوري بكافة تفاصيله. فزاد من قلق وتوتر الناس الذين كانوا يراهنون على شهر رمضان متوسّمين فيه كما جرت العادة نوعا من الطهرانية الروحانية، إضافة لما يقدّمه من أجواء درامية يتابعها الناس بحماس.

دمشق – كانت الكوميديا، ولا تزال أحد أهم الأشكال التي يتابعها المواطن السوري في الموسم الرمضاني، ويجد فيها نوعا من التخفيف عن آلامه. وفي هذا الموسم لم تغب الكوميديا عن مساحة الإنتاج في الدراما السورية، فهي تحضر بشكل أو بآخر من خلال العديد من الأعمال المتفرقة: “هواجس عابرة"، "أحلى الأيام"، "حركات بنات".. وتظهر من خلال مسلسل كوميدي  صرف واحد عنوانه “ببساطة” وهو العمل الذي يعرض خلال الموسم الحالي في جزئه الثاني.

تاريخ كوميدي طويل

بنظرة تاريخية سنجد أنه ومنذ أن انطلق البث التلفزيوني السوري عام 1960، حضرت الكوميديا على الشاشة من خلال تمثيليات كانت تقدّم في بث مباشر، وكان الحضور الأهم في هذا الشكل حينها للنجمين نهاد قلعي ودريد لحام.

وبعد عدة أعوام حيث صار بالإمكان تسجيل الحلقات ظهرت العديد من المسلسلات الكوميدية التي كانت حاضرة دائما في الموسم الرمضاني، بدأت عام 1967 بمسلسل “مقالب غوار”، ثم في العام الذي يليه كان مسلسل “حمام الهنا”، وصولا إلى المسلسل الأشهر والأهم “صح النوم” الذي قدّم الجزء الأول منه عام 1972، ثم قدّم الجزء الثاني الذي حمل عنوان “ملح وسكر”.

وكانت كل هذه الأعمال من كتابة نهاد قلعي وبطولته مع الفنان دريد لحام. وعلى امتداد ما يقارب الخمسة عشر عاما بقيت هذه الأعمال متفرّدة وبقوّة في كل موسم رمضاني حيث تجتمع الأسر على متابعتها بشغف.

رنا شميس إحدى بطلات "ببساطة"
رنا شميس إحدى بطلات "ببساطة"

وفي عام 1982 أطل الفنان الشهير ياسر العظمة الآتي من خلفية مسرحية بعمل جديد حمل اسمه مؤلفا وبطلا مطلقا تحت عنوان “مرايا”، قدّم فيه لوحات اجتماعية ناقدة ساخرة وأحيانا يلامس فيه أوجاعا سياسية.

وصار المسلسل ضيفا متكرّرا على المائدة الرمضانية وقدّم منه على امتداد ثلاثة عقود تسعة عشر جزءا. ثم كانت القفزة الكبيرة في مسلسلات الكوميديا من خلال مسلسل جديد عرض في العام 1991 حمل عنوان “بقعة ضوء”. وكان المسلسل نقطة انعطاف في تاريخ الكوميديا السورية والعربية لتضمّنه معايير جديدة في العمل، حيث أوجد تغيرات جذرية في بنيته وشكله، فقد ألغى الصيغة القائمة على وجود كاتب واحد للعمل واعتمد بديلا عنها عددا من الكتاب، بحيث يكتب كل واحد لوحة محددة. كذلك اعتمد تقديم أكثر من قصة في الحلقة الواحدة وتقديم لوحات متناهية القصر زمنيا بحيث لا تتعدّى الثلاث دقائق.

وقد أنجز من المسلسل خلال ثلاثة عقود أربعة عشر جزءا. وبعده تم تقديم مسلسل حقّق جماهيرية كبيرة وهو “عيلة خمس نجوم” الذي قدّمه الكاتب حكم البابا ثم تتالت أجزاؤه “عيلة ست نجوم” وما بعدها والتي كتبها ممدوح حمادة وأخرج كل الأجزاء هشام شربتجي.

وفي العام 2008 كتب ممدوح حمادي مسلسله الأشهر “ضيعة ضايعة” الذي أخرجه الليث حجو وبات أشهر مسلسل كوميدي سوري معاصر في جزأيه. وفيه ظهرت الشخصيتان الشهيرتان أسعد وجودة وقد قدّمهما الراحل نضال سيجري وباسم ياخور.

وبقيت هذه الأعمال على امتداد العشرات من السنين صاحبة الحضور الأهم على الشاشات السورية والعربية خاصة في رمضان، إلى جانب العديد من المسلسلات الفردية التي حقّقت نجاحات كبيرة كـ“يوميات مدير عام”، “وادي المسك”، “وين الغلط”، “صوت الفضاء الرنان”، “حارة عالهوا”، “قانون ولكن”، “ضبو الشناتي” وغيرها.

مغامرة بديلة

ياسر العظمة جعل من “مرايا” مرآة عاكسة لهموم المواطن السوري
ياسر العظمة جعل من “مرايا” مرآة عاكسة لهموم المواطن السوري

في ظل التغيرات التي رافقت إنجاز مسلسل “بقعة ضوء” في أجزائه الأخيرة وتراجع شعبيته، حيث ظهرت العديد من الآراء النقدية التي أكّدت أنه استهلك وصار مكرّرا لا يقدّم الومضة الإبداعية التي كانت موجودة فيه سابقا. قُدّم في العام الماضي مشروع بديل له حمل عنوان “ببساطة”، وكان عرّاب المسلسل الفنان باسم ياخور صاحب المكانة الهامة في الكوميديا السورية عبر سنوات طوال. وعرض المسلسل في جزء أول وقام بإخراجه سيف الدين سبيعي.

وتطرق العمل إلى مشكلات حياتية طازجة يعيشها المواطن السوري يوميا بشكل فعّال، وهذا ما منحه بعض التميّز لكون المجتمع السوري عامة يعاني ظروفا طارئة بسبب الحرب وما أوجدته من ظروف استثنائية، وعرض حصريا على إحدى القنوات السورية.

وفي الموسم الحالي يتابع المسلسل تقديم جزئه الثاني، الذي كتب لوحاته العديد من الكتاب كمازن طه ورنا الحريري ومعن السقباني وعثمان جحا ونور شيشكلي وباسم ياخور، وقام بإخراجه تامر إسحق.

والعمل بصيغته الجديدة صار أقرب إلى ما كان يقدّم في “بقعة ضوء” من حيث الشكل والمضمون، وهذا توجه خطير قد يجعله على محك المقارنة بين ما قدّمه ذلك المسلسل وبين ما يقدّمه هو. فالصيغة التي عمل عليها “بقعة ضوء” أيام عزّه من حيث الطاقة الإنتاجية الجيدة ووجود حشد كبير من الفنانين المشاهير الذين شاركوا فيه قد لا تتوفّر للمسلسل الجديد.

 ومعلوم أن مسلسل “بقعة ضوء” قد شارك فيه نجوم الدراما السورية بدءا من الصف الأول: خالد تاجا، منى واصف، عبدالرحمن آل رشي، بسام كوسا،  فارس الحلو، أيمن رضا، فايز قزق، سلوم حداد، باسم ياخور، نضال سيجري، قاسم ملحو، وفاء موصلي، أمل عرفة، فادي صبيح، عبدالمنعم عمايري، كاريس بشار، أحمد الأحمد، جمال العلي وآخرون.. إضافة إلى تقديمه بعض اللوحات التي لامست لدى المواطن مواجع وطنية مأزومة.

فارس الحلو كان مشعا في “بقعة ضوء”
فارس الحلو كان مشعا في “بقعة ضوء”

ويبدو أن هذا هو ما دفع صناع مسلسل “ببساطة” إلى تقديم مواضيع حياتية يعيشها المواطن السوري في حياته اليومية  الساخنة. منها مشكلاته مع التقنين الكهربائي وانقطاعات النت المتكرّرة وغلاء الأسعار الفاحش والعديد من القضايا الاجتماعية التي أوجدتها حالة من الاضطرابات الاجتماعية الحادة التي طرأت على المجتمع السوري بسبب الحرب السائدة والفساد الموجود في أجهزة الدولة. وقد يذهب البعض إلى أنه قدّم شيئا جديدا طازجا وراهنا، فيما يرى آخرون أنه لا يخرج عن عباءة “بقعة ضوء” وسوف يستثمر نجاحاته القديمة.

مسلسل “ببساطة” جمع في فريق التمثيل مجموعة من الأسماء الشهيرة في الدراما السورية مع عدد من الوجوه الشابة. فحضر باسم ياخور وعبدالمنعم عمايري وصفاء سلطان ورنا شميس وندين تحسين بك وجيني أسبر وأندريه سكاف وهبة نور ونزار أبوحجر وسوسن أبوعفار وآمال سعدالدين وجمال العلي وفادي صبيح ومحمد حداقي. ومن الجيل الأحدث حنان اللولو ولارا بدري ودانا الحلبي وآخرون.

ولا شك أن رهانات العمل على تحقيق النجاح ذاته والذي حقّقه سابقا مسلسل “بقعة ضوء” تبدو مشروعة. لكنها ستواجه ظروفا قاسية من حيث الجو العام لمزاج الناس وكذلك الظروف الإنتاجية والترويجية، والأهم من كل ذلك هو إمكانية متابعة الجمهور له في ظل مزاج قد لا يجعل المواطن شغوفا بسبب ظروفه الحياتية حتى بالتوجه نحو شاشة التلفزيون لمشاهدة مسلسل ما وإن كان كوميديا.

16