في سوريا صراع سياسي بلباس طائفي

الجمعة 2014/06/20
يروج النظام السوري منذ بدء الانتفاضة بأنها طائفية وتستهدف فقط الأقلية العلوية

دمشق - يقود نظام الأسد في سوريا، منذ بدء الانتفاضة الشعبية والعسكرية ضد الشريحة العظمى من الشعب الذي طالب بالحرية والعدالة، حربا أجمع العديد من المراقبين والسياسيين على تصنيفها بالطائفية، فالخسائر الكبيرة التي تكبدها النظام في جسمه العسكري خلال حرب مستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات دفعته إلى زج كل الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الرئيس في حربه ضد الأكثرية السنّية، مورطا هذه الطائفة في حرب بين مكونات الشعب الواحد.


تلميحات مبكرة


منذ الأيام الأولى للانتفاضة، حيث كانت سلمية في المطلق وترفع شعار الشعب السوري واحد، خرجت مستشارة الرئيس السوري بخطاب طائفي قالت فيه إن الانتفاضة طائفية وتستهدف الأقلية العلوية لا النظام السياسي، وكانت تصريحاتها مثار استياء مختلف شرائح المجتمع السوري، إلا أنها أعطت مؤشراً بوجود نيّة للنظام في تهييج النعرة الطائفية لدى بعض الفئات.

استخدم النظام السلاح بعنف، وقصف بالأسلحة الثقيلة كل منطقة سكنية طالب أبناؤها بإسقاط النظام، ما دفع الشباب إلى حمل السلاح ضد قوات الأمن والجيش ومحاربتهما. حاولت وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية أن توحي بأن ما يجري في سوريا هو محاربة للإرهاب السني، لكن واقع الأمر يشير إلى أنه لم تحدث في سوريا أي مجزرة بحق الشيعة أو العلويين، رغم قدرة مقاتلي المعارضة على دخول قرى علوية.

في المقابل طمأنت المعارضة السورية والثوار العلويين بأنهم غير مستهدفين بالتأكيد على أنهم شركاء بالوطن والتذكير بأن هدف الثورة نظام جديد يساوي بين كل المواطنين.

وحذّرت العلويين من خطورة الانجرار وراء مخططات النظام وضرورة الامتناع عن إرسال أبناء الطائفة للقتال معه على أساس طائفي، لكن هذه الدعوات لم تلق تجاوباً من أبناء الطائفة الذين استمروا في إرسال أبنائهم وقوداً لحرب النظام، ولم يشذ عن القاعدة سوى بعض المثقفين والنخبة من الطائفة.

لتعويض النقص أدخل النظام السوري آلاف المقاتلين من حزب الله اللبناني، وهو حزب له صفة طائفية، فجميع مقاتليه من الشيعة، كما قام بإدخال مئات الخبراء العسكريين الإيرانيين الشيعة أيضاً، وكذلك آلاف من المرتزقة العراقيين الطائفيين الشيعة (لواء أبو الفضل العباس وغيره) الذين لا يخفون طائفيتهم، ومئات المقاتلين (الحوثيين) اليمنيين الشيعة أيضاً، وبعض الباكستانيين والأفغان، وكلهم بحجة حماية المقامات الشيعية المقدسة في سوريا.


سياسي لا طائفي


وحول توصيف الصراع بهذا الشكل في سوريا، قال رياض درار القيادي في هيئة تنسيق المعارضة السورية “الصراع في سوريا ليس طائفياً، إنه صراع ضد سلطة متخلفة أفقدت سوريا روحها ومكانتها، وتأثر الصراع بدوامة العنف وظهرت غرائز متأثرة بالتاريخ وبعض الفتاوى الحربية التي صدرت في أزمان غابرة، وتخفى النظام وراء الطائفة لأنه يريدها سنداً له، ولا يهــمه إذا حُــرقت أو سُحــقت ليبقــى وتــبقى مــصالحه”.

وبالمقابل فإن الصراع الذي بدأ يأخذ بعداً طائفياً، جذب الكثير من المجاهدين العرب وغير العرب، على اعتبار أنه واجب ديني يناديهم، ومن هذه الثغرة تغلغلت القاعدة في سوريا ومنها جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام، لكن المجتمع السنّي السوري المعتدل عموماً انتقد هذه التنظيمات وطالبها بالخروج من سوريا، واتهمها بالارتباط بالنظام السوري، وقدّم دلائل كثيرة على ذلك، فلم يكن في سوريا طوال القرن الماضي فكر قاعدي ولا تكفيري ولا سلفية جهادية.

فواز تللو: نسي العلويون أنهم يعيشون مع السنة وتخلصهم من الأسد حبل نجاتهم

كان التباين بين الأقلية العلوية التي تمثل نسبة 10بالمئة من السوريين والغالبية السنّية التي تمثل 70 بالمئة منها، موجوداً بقوة خلال العقود الأربعة الأخيرة، وبعد استلام حافظ الأسد السلطة عام 1971 هيمنت الطائفة العلوية التي ينحدر منها على أجهزة الأمن والاستخبارات وقيادات الجيش وتم تهميش بقية الطوائف، وبسطت المؤسسة الأمنية والعسكرية نفوذها على كل أجهزة الدولة مستندة إلى هذه الأقلية العلوية.

تقول المعارضة السورية إن النظام لجأ إلى الشعارات الطائفية ليظلل الصراعات السياسية الراهنة واستعاد خلافات وأحقاداً كانت ماثلة في المجتمع قبل أربعة عشر قرناً ثم خبت وتلاشت بعد أن كانت سلاحاً امتشقه المختلفون ليبرروا اختلافاتهم وحروبهم، وكانت دائماً تعبر عن صراعات بين فئات من المسلمين حيث كان الاختباء وراء الدين مبرراً حاسماً، لأن الجميع كانوا يفتقدون الشرعية لصراعاتهم.

في هذا الصدد صرح المعارض السوري المستقل فواز تللو أن “العلويين وباقي الأقليات موجودون في سوريا لأن السنّة الذين حكموا مدة أربعة عشر قرناً ليسوا طائفيين، واليوم يخاف المسؤولون العلويين من تحقيق العدالة التي تنتظرهم بعد ما ارتكبوه من جرائم وحشية غير مسبوقة في التاريخ، وقد ظنوا في البداية أنهم سينتصرون لكن بعد بدء إدراكهم أنهم سيهزمون باتوا يريدون الحصول على ضمانات للإفلات من العدالة في حال هزيمتهم مع تمسكهم بالقتال حتى النهاية عسى أن ينتصروا.

و يواصل تللو” لن نقدم ضمانات لأي مجرم، وشأنهم أن يقاتلوا حتى يفنى آخر مقاتل منهم أو مساهم في حرب النظام ضد السوريين، بذلك تتطهر سوريا الجديدة، أما من يؤيدون النظام فلهم شأن آخر، فالسنة ليسوا قتلة ولا طائفيين ليضطهدوا أو يقتلوا على الهــوية، لن يمس أحد المؤيــدين، لــكن لــن يُســمح لهم مــرة ثــانية بالتغلغل في ســوريا.


ضمانات المستقبل


عن سبب عدم إعلان الطائفة العلوية عن براءتها من النظام، قال تللو “بعد أن ورطهم النظام في حربه، ولغوا في الدم حداً أرعبهم، وغائب الضمير خلف أستار الحقد الطائفي، وحين أرعبتهم ملامح الهزيمة والعدالة التي تنتظرهم، اندفعوا إلى الأمام موغلين في جرائمهم عسى أن ينتصروا، وأصبحت معركة حتى النهاية اختارها النظام الأسدي وأيده فيها من أيده من العلويين، ونسوا أنهم يعيشون في بحر من (السنّة).

ولن يخفف من الخوف على مستقبل العلويين في سوريا إلا إن بادروا بالتخلص من الأسد ومن حوله ووقف القتل والقصف وإطلاق سراح المعتقلين والاعتراف بالجريمة، بعدها فقط يمكن الجلوس إلى طاولة مفاوضات لتسليم السلطة”.

تعتبر غالبية قوى المعارضة السورية أن أفضل ضمان للطائفة العلوية لمنع الحرب الطائفية هو تأييدها لإسقاط النظام بشكل كامل وواضح مع تأييد قيام دولة مدنية حقيقية ولا تعتمد على التركيبة الطائفية، يحكمها دستور مدني يحفظ الحقوق المتساوية والحريات دون الدخول في محاصصة طائفية.

و يرى المراقبون أنه لن يكون يسيراً إجراء مصالحة وطنية في سوريا، وإيقاف التوتر الطائفي، ولن يكون سهلاً أن تتحول البلاد إلى دولة محايدة إزاء مكونات شعبها، ويحتاج الأمر إلى مبادرات وإجراءات عملية عديدة مقتنعة من الجميع، وما لم يتم تحقيق تقدّم في هذا المجال من المرجح أن يتحول الصراع السياسي الحالي إلى صراع طائفي، يدمر أكثر مما دمّرته الحرب الحالية، وتتحول سوريا لواحدة من أسوأ البؤر الطائفية في العالم، مع استمرار النظام السوري في رفض جميع المبادرات الدولية لــحل الصراع ســلميا.

6