في سوريا لا حلول سلمية مع نظام الأسد

الثلاثاء 2014/06/10
نظام الأسد يحتفل بفوزه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة على وقع الدمار واستهداف المدنيين

بدأت المرحلة الثانية من عملية تدمير الأسلحة الكيميائية في سوريا بإشراف دولي، في خطوة يراها مراقبون أنها لن تغير كثيرا المشهد السوري بعد فوز بشار الأسد بولاية رئاسية جديدة، وهو ما سيطيل أمد الصراع الدائر في سوريا منذ أكثر من 3 سنوات، وسيؤدي إلى تضاؤل فرص الحلول السلمية معها.

بعد أن تحوّل مسار الصراع في سوريا من ثورة شعبية سلمية لإسقاط النظام إلى حرب متعدّدة الجبهات والأجندات، وبعد دخول الجماعات المتطرّفة على خط الصراع، توقّعت أغلب التحليلات أن تشهد سوريا سيناريو مشابها لسيناريو الأسلحة الكيميائية في العراق، الذي برّر به جورج بوش الابن، سنة 2003، التدخّل الأميركي الدولي العسكري في العراق.

لكن، أمد الحرب طال، والصراع يتّخذ يوما بعد يوم أبعادا أخطر، فيما بات حلّ التدخّل العسكري أبعد عن التنفيذ، رغم الحديث المتواصل عن خطر الترسانة الكيميائية للنظام السوري، والتي تتحدّث تقارير عن إمكانية نقلها من سوريا إلى معاقل حزب الله في لبنان أو إلى إيران.

التطوّرات على الساحتين الإقليمية والدولية، وترابط الأحداث من سوريا إلى أوكرانيا إلى مصر مرورا بتونس وليبيا ومالي، وأيضا التوجه الأميركي نحو آسيا، والصعود الصامت للصين، كلّها أسباب يرى مراقبون أنها تفسّر “التململ” والانقسام الأميركي بخصوص التدخّل العسكري المباشر في سوريا.

ويضيف المحللون، إلى جانب هذه الملفات الآنية، تكلفة الحروب الأميركية في العراق وأفغانستان. وقد لخّص السفير الأميركي السابق لدى سوريا الموقف الأميركي حين قال في حوار صحفي: “تجربتنا في العراق علمتنا أن الحل في سوريا ليس أميركيا”.

أكّد ذلك، الكاتب والمحلل السياسي، عبد الوهاب بدرخان، قائلا فيما يتعلق بمدى التشابه في الملف الكيميائي لكل من العراق وسوريا: “إذا استمر وجود شبهات بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في الحرب بسوريا، فمعنى ذلك وجود كميات مخبأة، وبالتالي ربما يتطور الوضع في سوريا إلى ما كان عليه في العراق”. لكنه استبعد التدخل الدولي في سوريا بسبب الأسلحة الكيميائية، قائلا إنه “لا نية دولية في التدخل العسكري بعد التراجع الذي أقدمت عليه الولايات المتحدة في أغسطس الماضي”.

الأخضر الإبراهيمي: "الوضع في سوريا صعب جدا ولكنه غير ميؤوس منه"


الاتفاق الروسي الأميركي


كانت الولايات المتحدة الأميركية قد تراجعت في تنفيذ ضربة عسكرية محققة لسوريا بعد ثبوت تورط نظام الأسد في استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين بريف دمشق والذي أسفر عن مقتل المئات.

و بعد مشاورات توصلت روسيا والولايات المتحدة إلى اتفاق في جنيف العام الماضي حول خطة لإزالة الأسلحة الكيميائية السورية وتدميرها بالكامل بحلول منتصف 2014، بالتنسيق مع الحكومة السورية، التي التزمت بتسليم تقرير يحوي جميع مخزوناتها الكيميائية.

ونصت الخطة على إتلاف المواد الكيميائية الأكثر خطورة قبل 31 مارس 2014، وبقية المواد الكيميائية قبل 30 يونيو 2014، ومن المقرر أن يتم نقل المواد الكيميائية إلى خارج سوريا في موعد لا يتعدى 5 فبراير 2014.

وفي أكتوبر 2013 بدأ المفتشون الدوليون تنفيذ المرحلة الأولى من خطة تدمير الأسلحة الكيميائية السورية بنقل العناصر الكيميائية عبر شاحنات مصفحة روسية وسط مراقبة أميركية وصينية ليقع تحميلها عبر سفن دانماركية و نرويجية لأتلافها عبر ميناء اللاذقية.

من جهتها أشرفت الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية على عملية التدمير، حيث فتشت 22 موقعا من أصل 23 وانتهت المرحلة الأولى من نزع الأسلحة الكيميائية، بتدمير المعدات اللازمة لإنتاج المواد السامة، وتم ختم الأسلحة الكيميائية وجعل مواقع إنتاج الأسلحة غير قابلة للاستخدام. وقد تمت المرحلة الأولى من عملية التدمير بنجاح، حسب ما أعلنته المنسقة الخاصة لبعثة منظمة حظر الأسلحة الكيمائية والأمم المتحدة سيغريد كاغ، رغم عدم التزام الحكومة السورية بالمواعيد المحددة لتسليم باقي المواد الكيميائية بحلول 27 أبريل، وهو ما حملها مسؤولية عملية التأخير في العملية.

وتبدأ اليوم المرحلة الثانية من عملية نقل المخزونات الكيميائية خارج سوريا بعد نقل ما يقارب 92 بالمئة من إجمالي المخزون خارج البلاد، حيث أعلنت النرويج أن سفينة الشحن النرويجية “تايكو” تتجه إلى فنلندا قبل أميركا لبدء عملية التخلص من الكيميائي، بالإضافة إلى أن السفينة الدانماركية آرك فوتورا لا زالت خارج السواحل السورية في انتظار تسليم سوريا المواد الكيميائية المتبقية.

وتأتي عملية تسليم الدفعة الثانية من المخزون الكيميائي لنظام الأسد وسط استنكار ورفض دولي لنتائج الانتخابات الرئاسية السورية والتي فاز فيها بشار الأسد في نتيجة كانت محسومة سلفا لصالحه، حسب ما يتفق عليه الخبراء.

سيغريد كاغ
*متزوجة من دبلوماسي فلسطيني سابق وأم لأربعة أولاد وتتكلم اللغة العربية بطلاقة.

*تعمل رئيسة البعثة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة منع انتشار الأسلحة الكيميائية، وهي مرشحة لمنصب مبعوث الأمم المتحدة لسوريا خلفا للأخضر الإبراهيمي.

*تحمل شهادة ماجستير من جامعة أوكسفورد. وقد عملت في القطاع الخاص لحساب مجموعة شل العملاقة في لندن لعامين قبل أن تلتحق بوزارة الخارجية الألمانية.

*كانت كاغ سابقا المسؤولة الثالثة في برنامج الأمم المتحدة للتنمية ومديرة اليونيسف للشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

*تصف نفسها بأنها شخص "يبحث عن النتائج" وأن أعصابها من حديد، لذلك أطلق عليها لقب المرأة الحديدية.


تواصل الأزمة السياسية


تتواصل الأزمة السياسية في سوريا، بعد فشل جميع الوساطات الدولية التي بذلها المبعوث الأممي لسوريا الأخضر الإبراهيمي للتوصل إلى حل سياسي ينهي الصراع الدموي في البلاد، وهو ما دفع به إلى الاستقالة من منصبه محملا ضمنيا نظام الأسد المسؤولية في فشل تلك المبادرات. وأشار المبعوث المستقيل الإبراهيمي إبان استقالته إلى أن الوضع في سوريا صعب جدا ولكنه غير ميؤوس منه.

وبدأت أنباء تتداول أسماء المرشحين لخلافة منصب الإبراهيمي، حيث كشفت وكالة إيتار الروسية نقلا عن مصدر أممي لم يُعلن عن اسمه، أن ثمة مرشحين جدد لخلافة المبعوث الأممي والعربي لسوريا الأخضر الإبراهيمي، ويُعتبر اسم منسقة الأمم المتحدة لبعثة تفكيك الكيميائي السوري سيغريد كاغ على رأس القائمة كأبرز المرشحين لخلافة الإبراهيمي.

وقد ترأست كاغ البعثة الدولية لتدمير ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية متحدية قذائف الهاون ومتنقلة بين الشرق الأوسط وأوروبا ونيويورك ومجرية اتصالات مع موسكو وواشنطن والأساطيل البحرية. ويقول دبلوماسيون إنها أنجزت عملا ممتازا، وتحظى باحترام في دمشق، حيث أطلق عليها البعض اسم “المرأة الحديدية”.

وأضاف المصدر أن عددا من البلدان الأعضاء في الأمم المتحدة أعربوا عن ترحيبهم بهذا الاختيار. كما ضمت لائحة المرشحين كلا من الأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى ووزير الخارجية التونسي الأسبق كمال مرجان.

ويأتي طرح هذه الأسماء على خلفية فشل مساعي المبعوثين السابقيين لسوريا كوفي عنان الذي استقال من مهامه في 2 أغسطس 2012 ليخلفه الأخضر الإبراهيمي الذي أعلن بدوره تخليه عن المهمة أواخر مايو الفائت 2014.


مبعوث دولي لسوريا


يرى متابعون أنه على الرغم من أن ترشيح كاغ يمثّل تحديا جديدا للمجتمع الدولي بهدف إيجاد حل سياسي للأزمة السورية إلا أن واقع الأحداث الميدانية وما رافقها من انتخابات رئاسية أبقت على الأسد، لا يطرحان تفاؤلا كبيرا بالنسبة إلى السوريين عموما استنادا إلى الانتخابات الشكلية التي قام بها النظام والتي تؤكد أن الأسد لا ينوي على المدى القريب أو البعيد التنازل قيد أُنملة عن دوره الأوحد في قيادة البلاد، وهذا ما دلّت عليه تصريحات وزير الخارجية وليد المعلم بالتزامن مع انتخابات الرئاسة والذي صرح “اليوم سيبدأ الحل السياسي للأزمة السورية”.

في هذا الشأن يرى معارضون أن الأسد ماضٍ في نهجه العسكري بوصفه خيارا لاستمراريته بعد مرور أعوام على بدء الثورة السورية، وفي هذا الصدد يقول المعارض السياسي موفق زريق لـ “العرب”: “ليس أمام النظام حسب منظوره إلا الاستمرار في النهج التدميري كي يستمر كنظام”.

ويعتبر هؤلاء أن تقدّم الأزمة السورية أو انحسارها لا يتوقف على شخص المبعوث الأممي وقدرته على التعاطي السياسي مع الأزمة بقدر ارتكازها على قرارات مجلس الأمن والدول الفاعلة فيه كالولايات المتحدة وروسيا.

وحسب مراقبين، يظهر هذا الاعتقاد أنه هو الأقرب بالنسبة إلى الأزمة السورية إذا ما قورن بتوجه حلفاء دمشق، من مبدأ نظرتهم، إلى بشار الأسد على أنه حجر أساس لعملية الانتقال السياسي، كما أن الموقف الثابت لحلفاء دمشق، وفي مقدمتهم روسيا، بعدم ضغطهم على الأسد، يشير إلى أن استبدال المبعوث الأممي لن يكون له عظيم الأثر على مجريات الأزمة السورية وتداعياتها المستقبلية إلا إذا نبع من توافق دولي. وهو ما أكد عليه زريق في حديثه لـ”العرب” قائلا: “مجلس الأمن هو الجهة صاحبة القرار السياسي الأول بالأمم المتحدة”، مضيفا أن “الشعب السوري يبدو هو الوحيد الذي يملك الرغبة في إسقاط النظام”.

6