في سياقات الكلام

الإعلاميون المشتغلون الآن في حقل يصح اعتباره فنا أو عملا إبداعيا يضطلع به متميزون، فقد انقسموا تبعا لانقسام أهل السياسة وتوزعتهم المحاور، وبدا مسار عملهم ذا خطين أو ثلاثة خطوط متضادة.
الأحد 2018/02/25
التلفزيون أصبح من وسائل الهجوم والهجوم المضاد

لطالما تأذّى أهل الفكر والآداب والفقهاء المستنيرون في التاريخ العربي، من الحاكمين أهل السياسة. وكان الوُشاة، موالو الطرابيش والعمائم، هم المُحّفزون على الأذى.

ولم يُنصَف المظلومون إلا بعد موتهم. أما الإعلاميون المشتغلون الآن في حقل يصح اعتباره فنا أو عملا إبداعيا يضطلع به متميزون، فقد انقسموا تبعا لانقسام أهل السياسة وتوزعتهم المحاور، وبدا مسار عملهم ذا خطين أو ثلاثة خطوط متضادة، بحكم كون عملهم مصدر ربحهم الوفير. تستأجرهم الأضداد لكي يعملوا ضد أضدادها.

ومن الطريف أن ترى بعضا منهم ينقلب ضد “أصحاب العمل” ولا يتورع عن هجائه من موقع الضد، إن تسنّى له ربح أوفر.

في أوقاتنا الراهنة تتبدى ظاهرة استئجار الإعلامي البارع، فاقعة في سياق الهجوم المكثف على الحكم الراهن في مصر والدفاع الضاري عنه.

وبحكم أن التلفزيون ووسيلة الفيديو واللغة الجسمانية وأفانين العرض، هي وسائل الهجوم والهجوم المضاد، فقد “تألقت” أسماء ووجوه، بالمعنى الرديء للتألق الذي يوجع الرأس.

ومن مفارقات الظاهرة أن المشتغلين في هذا الحقل يعللون انحيازهم لأصحاب الشغل، على الجانبين، بمقتضيات الوطنية العميقة والعدالة والإسلام والديمقراطية، بينما هم في الواقع ليسوا إلا متفوهين طلقاء، لا علاقة لهم بالقيم التي يزعمون وهم ليسوا من أهل التضحية في سبيل أي قضية.

لا أدري ما هي علاقة هذه الخاطرة بحيثيات اللحظة التي أنتجتها، أثناء استماعي لأغنية أم كلثوم الشعرية الأطلال. تذكرت ما قرأت عن مكابدات المبدعين في زمن مضى، كان أولئك فيه، يتوسلون أبسط مقومات العيش الكريم، فيما الأجور جد متواضعة، وحَسبْ المبدع في تلك الأوقات أن يحافظ على وظيفته الحكومية.

كان المبدعون يتعرضون للوشايات ويتعرضون للإقصاء على الرغم من تواضع أوضاعهم. فلم يكن شاعر “الأطلال” إلا مديرا لمستشفى “السكة الحديد” ويقرأ الطالع رغم كونه طبيبا، وبعد إزاحة الحكم الملكي، وشى به أحدهم للضباط الحاكمين بجريرة أن ناجي كان عضوا في نادي رابطة “أدباء العروبة” التي يرعاها الباشا الدسوقي أباظة أحد الوزراء السابقين.

اتكأت الوشاية على ترفيع الشاعر الطبيب بدرجتين وظيفيتين قبل موعدهما، فأطيح به من رئاسة المستشفى.

كان المبدعون بسطاء في ما يربحون ويخسرون. بل إن ناجي، صاحب إحدى أجمل قصائد الحب في الشعر المعاصر، اعتصر القصيدة من ذوب روحه هياما بامرأة متواضعة الجمال، وهي الفنانة المسرحية زوزو حمدي الحكيم، التي كتب رسائله القصيرة إليها خلسة على ظهور روشتات أمها المريضة.

24