في صياغة الخطاب السياسي الفلسطيني

خُطب السياسة محكومة بمعطيات الواقع، ومن أراد أن يشتغل في السياسة ينبغي أن يأخذ بالعناصر الملائمة لصياغة خطابها، وإلا فلا حرج عليه إن ظل يتحدث براحته.
الاثنين 2019/07/22
تناقض لا يخدم المقاومة ولا السياسة

هناك بعض الأسباب التي من شأنها أن تجعل نقدنا للأداء السياسي الفلسطيني، على جانبي معادلة الانقسام، يؤخذ على غير محمله، وكأنه يعادل موضوعياً الذم والهجاء. وهذه الأسباب ناشئة عن تراكمات سلبية في المشهد الفلسطيني، وعن السيكولوجيا التي صنعتها المرحلة الطويلة من الانقسام. لكن السؤال هو: كيف يمكن تصويب الخطاب السياسي الفلسطيني، ما لم يكن هناك نقد موضوعي، وما لم يستفد الطرف المعني به، من أفكاره وحيثياته؟

عندما يتعلق الأمر بخطاب حركة حماس، نبدأ بسؤال افتتاحي: هل تريد حماس تسوية تؤمّن الحد الأقصى من الممكن الذي تُقر بضرورته ومشروعيته الأطراف التي يُفترض أنها ثابتة على دعمها لعملية سلمية وفق المرجعيات الدولية؟ أم أنها لا تريد؟ إن كانت تريد، فسيكون لهذه الإرادة خطابها الملائم، وسيصبح هذا الخطاب قوياً وفاضحاً لإسرائيل التي لا تريد تسوية ولو بالحد الأدنى الذي لن يقبل به الفلسطينيون؟ وإن كانت لا تريد وتميل إلى اعتماد خطاب الأمنيات القصوى، فإن الموقف سيكون مليئاً بالثغرات على مستويي وقائع المواجهة ووقائع السياسة الإقليمية والدولية.

لكن الواضح حتى الآن- للأسف- أن حماس تريد وفي الوقت نفسه لا تريد، وفي كل نقطة من نطقها السياسي، يكون في خطابها شقان، واحد للخارج وآخر للداخل. أي شق لاسترضاء الآخرين، وشق آخر لاسترضاء الموالين الذين صنعت هي بنفسها ثقافتهم. إن مثل هذا التناقض لن يخدم المقاومة ولا السياسة، وإنما يضر بهما، بل إنه- بسبب طبيعته الحائرة- هو الذي يفسح مجالاً لعنصر قيادي من حماس، كفتحي حماد، لكي يطلق العنان لتخيلاته ورعوده اللفظية. فهو في الأساس غير ملوم وحده!

إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، تحدث السبت، على افتراض أنه يطرح سياسة، عبر منصة لجمعية إعلامية فلسطينية في إسطنبول. والرجل يعرف أن التصريحات تُنقل إلى العالم، وأن وسائل الإعلام تنتظر كلاماً محدداً حتى لو لم يكن يتسم بالمنطق. فاللامنطق عند وسائل الإعلام، جدير بالعرض أيضاً، وهو يُعرض لكي يؤخذ حجة على صاحبه.

الرجل يقول إنه لا يعارض قيام دولة فلسطينية، بمعنى أن الأساس هو أن مثل هذه الدولة دون الأمنيات، وهذا صحيح. لكننا في وضع باتت فيه الدولة المرجوّة، مرفوضة أميركيا وإسرائيليا ويصعب التحصل عليها وهذا يتطلب خطاباً سياسياً يستفيد من عنجهية الصهيونية. ثم إن الدولة لن تتحقق بغير وحدة الفلسطينيين ومثابرتهم على توفير شروط القوة السياسية لأنفسهم.

 لذا فإن هذه الحقيقة الأخيرة، تصلح أساساً لصياغة الخطاب الفلسطيني، وللحديث عن طلب الدولة باعتبارها حقاً تكفله المقررات الدولية، وأساساً للاستفاضة في الحديث عن طبيعة هذه الدولة، وعن شروط ما يُسمى “السلام” الذي يأنف بطبيعته النزعة العنصرية، ويفتح المجال للتوسع في شرح متطلباته على الأصعدة الحقوقية للناس في الممتلكات، وفي حركة التنقل وفي تحديد خياراته الاقتصادية، والانفتاح على المجتمع الفلسطيني الباقي على أرض وطنه التاريخي.

خُطب الجمعة نصوص مفتوحة على كل الآمال على الأرض والآمال في السماء، أما خُطب السياسة، فإنها محكومة بمعطيات الواقع، ومن أراد أن يشتغل في السياسة ينبغي أن يأخذ بالعناصر الملائمة لصياغة خطابها، وإلا فلا حرج عليه إن ظل يتحدث براحته، من غير موقع السياسة وفي قلب مربع الأيديولوجيا.

الرجل يقول “في هذا الإطار المرحلي، إن حركة حماس، لا تعارض إقامة دولة على حدود العام 1967، لكننا متمسكون بعدم الاعتراف بالاحتلال على بقية الأراضي الفلسطينية”. وهنا، يتبدى التركيز على الجانب المرحلي، وفي بطنه وعد بمراحل أخرى، وهذا في حاجة إلى الشرح.

فمن جهة، لن تقوم دولة فلسطينية، حتى ولو ضغطت أميركا لكي تقوم، ما لم تكن هناك تسوية، تُنهي متطلبات كل طرف من الطرف الآخر. ولن تتحقق التسوية، ما لم يعترف الطرفان الرسميان، كلٌ بالآخر، ليس فقط من حيث كونه موجوداً، وإنما كذلك من حيث كونه يعترف بحقه في الوجود، حتى وإن كان الطرف الإسرائيلي غير صاحب حق تاريخي في الوجود. فالتسويات بين الأطراف لا تتحقق بالمراسلة.

وفي ضوء هذه الحقيقة، يتوجب علينا أن نعمل للاستفادة من مواقف الطرف العنصري الرافض للمفاوضات الجدية، والرافض للانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 والاستفادة أيضاً من رفض العالم للاستيطان في هذه الأراضي التي احتلتها إسرائيل بالقوة، والتركيز على عنجهية اليمين العنصري الحاكم الذي لا يطيق فكرة التسوية. فهذا هو سياقنا الآن. عندئذٍ نظل في موقع القوة السياسية حتى ينكسر موقف الطرف الإمبريالي الصهيوني الأصولي المتعنت. أما دق الطبول والاكتفاء بعبارات فضفاضة، مثل إننا لا نعارض قيام دولة فلسطينية، فإن أي إعلامي متدرب سيسألنا “عن أية أية دولة بالضبط تتحدثون، وكيف تقوم؟”

صحيح إن هناك وقعاً مؤلماً لكلمة “التخلي” أي الكف عن المطالبة بسائر أراضي وطننا التاريخي. لكننا في الواقع لم نتخلَّ عن شيء، وإنما انتزعت فلسطين منا، بأفاعيل إمبراطورية استعمارية يحكمها صهيونيون، انقضّت على شعب صغير وبلد وقع تحت انتدابها ووصايتها، فعملت بكل جبروت ووحشية، لتمكين الحركة الصهيونية المسلحة من انتزاع أرضنا وتشريد شعبنا بالإرهاب، وهذا أمر يتطلب عملية تاريخية طويلة، يخشاها الصهيونيون وبسببها يرفضون التسوية، لأنها حضارية وديموغرافية من شأنها التخفيف من نتائج الاستلاب، في حال تحققت الدولة وانفتحت الأبواب، وترسخت الثقافة الوطنية بدل التشكي العاطفي!

9