في ضرر تأخر التدخل.. وفي ضرر حدوثه

الثلاثاء 2013/09/03

حين خرج السوريون في ثورتهم، خرجوا لأن الأفق أغلق تماماً أمامهم حيث الفقر والنهب صار أكثر من طاقتهم على الاحتمال، ولأن شعوبا عربية، أثبتت أنها قادرة على إسقاط أنظمة النهب والشمولية. ولكن الثورة لم تستطع فرز قيادتها، وتسلطت عليها معارضة مهزومة وفاشلة، ولم تثق يوما بالشعب، ولطالما سخرت منه، باعتباره طائعا وقطيعيا وخائنا للحرية وبالتالي فليمت ما دام كذلك.

المعارضة تفهم الشعب على هذا النحو، ولأنها كذلك، أقامت إستراتيجيتها، على طلب التدخل الخارجي، كما حال المعارضة العراقية والليبية، ولم تدخر جهدا، لطلب السلاح والحظر الجوي وأقامت الصّلات مع دول العالم، وليس مع شعوب العالم؛ فهي أيضا لا تعنيها، وفي هذا أبرقت، مباركة، التهنئةَ لملوك وأمراء، لوصولهم السلس والديمقراطي جداً للحكم. وبالتالي وبدلاً من التصدي للثورة، وإقامة صلات مع الحركات الثورية وشعوب العالم، من أجل رفد الثورة السورية بكل أشكال الدعم العالمي، ضحّت بكل ذلك، وحصرت نشاطاتها بأن تكون هي بديل السلطة، وعبر الإمبرياليات العالمية والدول الإقليمية التابعة للأولى.

لكن دول العالم البعيدة والقريبة ليست جمعيات خيرية، ولا تتخذ المواقف الدولية إلا بناء على مصالحها؛ وكانت مصالحها تكمن في تشويه الثورة- فمتى كانت الامبرياليات تؤيد ثورات الشعوب في الحرية والعدالة الاجتماعية؟- وتدمير سوريا وإضعاف النظام، وإنهاء القوة العسكرية لسوريا؛ ووجدت في المجلس الوطني وتشكيلاته، ولاحقاً في الائتلاف الوطني وتشكيلاته، السند الحقيقي لذلك؛ ولكنها، ومع الدول الإقليمية، عملت على تشتيت المقاومة العسكرية تماماً، وخلقت وسهلت وأحياناً أشرفت على تشكيل كتائب عسكرية جهادية، وزرعتها في كامل بلدات الثورة، وهذا ما قواها، وتلاقى ذلك مع مصلحة مباشرة للنظام في تشويه الثورة، وتظهيرها ثورة طائفية، وبالتالي لم تفعل أميركا ولا حلفها الجديد، ولا الدول الإقليمية شيئاً لصالح الثورة، بل عملت بكل طاقتها على تشويهها تماماً؛ وقد استطاعت ذلك، فسوريا بلد منزوعة السياسة منذ خمسين عاماً، ومنزوعة المجتمع المدني كذلك، ولم تتطور فيها أية أشكال من الاحتجاج النقابي أو الشبابي، فكلّه محتوىً عبر السلطة، إما عبر سياسات لصالح الفقراء أو عبر السلطة الأمنية.

هذا الوضعُ أوجد إمكانية حقيقية لدفع الثورة نحو اتجاهات كارثية، وصولاً إلى التدخل العسكري الأميركي وتحالفه، وقد خلق للأخير الأرضية الموافقة عليه، المجلس الوطني والكتائب المسلحة وغيرها، فكانوا يشوهون الثورة ويفتتونها، ويلحقونها به بسياساتهم القاصرة والمشوّهة؛ وفي هذا تلاقت المصالح الذكية للإمبرياليات ولدول الإقليم والمصالح الغبية للمعارضة.

هيئة التنسيق، استندت إلى سياسات هشة وضعيفة، وبقيت رؤيتُها، كما قبل الثورة، تعتمد على إصلاح النظام عبر دمقرطته، ولكنها أخطأت كذلك بأن تلك الخطوة تتم عبر الروس بالتحديد، وبالتالي لم يألوا جهداً في تلقف كل مبادرة خارجية، والتنسيق معها، انطلاقاً من مصالح الإمبريالية الروسية بالتحديد، ولذلك فشلوا فشلاً ذريعاً. إذن كان التدخل الأميركي والفرنسي طيلة ثلاثين شهراً، تدخلاً هدف إلى تشويه الثورة، وعدم مدها لا بالسلاح ولا بالمال ولا بسواه، بل واختيار معارضة محددة لتمثيل الثورة، وكانت ممثلةً بالمجلس الوطني، الذي أقام المعارك، بصراخه المتكرر والبائس، من أجل أن يكون الممثل الشرعي والوحيد للثورة؛ وبالمثل يفعل الائتلاف ذلك حول ضرورة التدخل العسكري. وبالتالي أية قراءة أولية، تظهر أن المجلس الوطني وقوى المعارضة، لم تكن أمينة للثورة، بقدر ما كانت أمينة لمصالحها على حساب ثورة الشعب، ولم تعطها قيمة وأهمية.

تأتي الضربات العسكرية بعد أن سيطرت قوى الثورة المضادة على مفاصل الثورة الأساسية، عبر الائتلاف الوطني، وعبر تقدم الكتائب الجهادية في مناطق كثيرة، وبعد شعور الأميركان بإمكانية سقوط النظام، والخشية من تشكيل نظام جديد، يكون بمقدوره تحييد الائتلاف الوطني نفسه، وتقليم أظافر الحركات الجهادية، أو حتى الخوف منها كذلك، وبالتالي الضربة لا تأتي بسبب أن النظام تجاوز الخط الأحمر فقط، ولا لأن أميركا حامية الشعوب وتدخلها سيكون إنسانياً صرفاً، ووقائياً وسريعاً كعلمية جراحية. إن هذا التدخل لن يجري تغييراً كبيراً؛ فالنظام وعكس ما يذاع عبر الإعلام، لم يكن قوياً، وكان يخسر على كافة الجبهات، وقد تفتّت قوة حزب الله وإيران وسواهما التي جاءت لإخماد الثورة، وإذ بها تتراجع، وكثيرٌ منها قتل أو عاد، أو فقد الأمل؛ وبالتالي ضعفُ النظام، وقوةُ الثورة، هي أسباب هذه الضربة.

من المفهوم تماماً أن الناس تريد أية قوة تساعدها في التخلص من النظام، الذي أوغل بدمائها ودمر بيوتها، وفاق تعذيبُه تعذيب أي احتلال، ولم يترك طريقةً لإذلال وإهانة الشعب ولم يفعلها؛ هذا مفهوم لنا، بل ومن حقهم وقد تعرضوا لكل ذلك، أن يصرخوا بما شاؤوا؛ ولكن الثقافة والسياسة أمر مختلف، ويقع عليها تقديم فهمٍ وتفسيرٍ وموقفٍ جادٍ، يوضح ماهية هذه الضربة، وأسبابها ومخاطرها وما تحمله بالضبط.

الضربة، وبعد تزايد الثورة المضادة في الثورة، وبعد تفاقم أزمة النظام، سيكون لها آثارٌ سلبية كبيرة، وقد تؤدي إلى إسقاط النظام كاحتمال ممكن، وقد تساهم في خلق مجازرَ متنقلة في طول البلاد وعرضها، بسبب حدّة الخلافات الطائفية والقومية والأهلية، ولكن ووفق التصريحات الأميركية، فإن هدف الضربة، هو الحل السياسي، أي ليس إنهاء النظام، بل تجديدَه، وليس انتصارَ الثورة، بل مصادرتَها عبر قوى الثورة المضادة.. لن يمانع الشعب بداية بهذه النتيجة، وهم يعلمون ذلك، فالشعب يريد إنهاء حالة الدمار الكارثية والموت المنفلت وكل أشكال التدهور الاجتماعي والطبقي، وبالتالي سيحدث التغيير لا محالة، وستكون تلك الضربات بداية مرحلة جديدة.

تأخر التدخل العسكري، كان مقصوداً، واستعجاله الآن كذلك مقصودٌ، وفي هذا توافق روسي أميركي، وربما سيعود للروس من جديد، بعد التخلص من عقدة الرئيس السوري، دورٌ في جنيف 2 والبدء بمرحلة انتقالية في سوريا. هذا ما أعتبره أكبر الأمنيات، وربما يكون أول الوقائع في الأسابيع القادمة.

كاتب سوري

8