في ضرورة بدء الإصلاح الاقتصادي والسياسي في مصر

الاستمرار في الإصلاح الاقتصادي بمفهوم انسحاب الدولة من مسؤوليتها، دون توفير بدائل لمواجهة آثاره، سيؤدي لاحتقان اجتماعي قد يمهد لانفجار كبير.
الخميس 2018/08/09
يمكن للإدارة السياسية الحالية للبلاد تخطي حالة الاستقطاب السياسي

أثار مقطع مصور انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا في مصر، موجة غضب شديدة جعلت الناس ينتقلون من تناول محتواه، إلى بحث واقع الحال في البلاد وما آلت إليه الأمور، من تفاوت رهيب في الدخول وارتفاع مستمر في أسعار السلع والخدمات والشقق السكنية والأراضي العقارية وضيق ذات اليد عموما.

يتضمن المقطع مذيعة تحاور شابا صغيرا في واقعة تهريب كمية صغيرة من الملابس، من المنفذ الجمركي لمدينة بورسعيد على ساحل البحر المتوسط.

اللافت في المقطع هو جرأة الشاب في ردوده على المذيعة التي بدت متعالية، غير قادرة على مجاراة صراحة الشاب الصغير وواقعه المرير، وأثارت ردودها عليه سخرية كل المتابعين حين سألته مستنكرة: لماذا لا تعمل في الاستثمار أو في شركات النظافة؟ وكان أبلغ ما قاد تعاطف الناس مع الشاب الصغير هو أحد ردوده عليها “أنت لا تحسّين بالناس”، مواجها إياها باحتياجات أسرية لأم وثلاث بنات واحتياجات شخصية للملبس ومقتضيات العيد، وأن المنفذ الجمركي يتم التهريب فيه علانية للكبار بالملايين، ويتم الإمساك بالصغار الذين يعملون في مقابل 150 جنيها يوميا.

وتطور الأمر إلى أن الرئيس عبدالفتاح السيسي تدخل وطلب من رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إجراء تحقيق في الواقعة، كما أكد حرص الدولة علي توفير فرص عمل تتماشى مع متطلبات الحياة، وفي السياق نفسه كان محافظ بورسعيد قد قدم اعتذارا للشباب الموقوفين بتهمة التهريب، وبادر رجل الأعمال المعروف نجيب ساويرس بإعلانه عن توظيف بعض الشباب في شركاته وتوفير فرص عمل لهم.

لكن بيت القصيد أنه على ضفاف الأمر طُرح على طاولة النقاش المجتمعي مآل سياسات الإصلاح الاقتصادي في مصر، وهل هي كافية أم أن الأمر في حاجة لإصلاحات سياسية جادة تواجه واقع البلاد، وما آلت إليه الأمور في الحياة اليومية للمواطن المصري البسيط.

الإصلاح الاقتصادي الذي تم في الفترة الماضية تركز حول رفع يد الدولة عن الدعم الموجه لأسعار الطاقة والوقود وتحرير سعر الدولار ورفع أسعار الشقق السكنية التي تبنيها الحكومة، بما أثر على القدرة الشرائية للسواد الأعظم من المصريين، وأثر على نمط الحياة عموما فأصبح الزواج لمن استطاع إليه سبيلا، وتخلى قطاع عريض من المصريين عن العديد من حقوق الحياة الأساسية، مثل التنزه أو قضاء الأعياد والعطلات في المصايف، وتقليل المبالغ المخصصة للإنفاق على الصحة كعلاج الأسنان أو ضعف النظر أو إجراء الفحوصات الطبيبة الدورية اللازمة.

يمكن للإدارة السياسية للبلاد تخطي حالة الاستقطاب السياسي السائدة، وتحقيق حد أدنى من العدالة والتوافق الاجتماعي بدلا من حالة الاحتراب والاحتقان الشديد

لكن على الجهة المقابلة تناولت النقاشات المجتمعية غياب الإصلاح السياسي وقصور العدالة في توزيع الدخل بين الحد الأدنى والأقصى للعاملين في الجهاز الإداري للدولة، ووجود سياسات تمييزية وتفضيلية لمجموعة فئات على حساب الجميع مثل القضاء والجيش والشرطة وكبار موظفي الجهاز الإداري. بالإضافة لوقوع عدة حوادث فساد بين كبار الموظفين والمحافظين، وانتشار ضعاف الموهبة ومحدودي القدرات على رأس المؤسسات الحكومية، والتسيب في إدارة ملفات الآثار وسرقتها.

الحقيقة المؤلمة أن هناك من يقرأ مسألة الإدارة السياسية للبلاد بالادعاء بأن هذه هي الطريقة الأمثل لتسيير الأمور، مبررا ذلك بحالة الاستقطاب السياسي التي أوصلت الإدارة الحالية لسدة الحكم، وأن الإدارة الحالية لا يمكنها أن تبادر بإصلاحات سياسية وبيروقراطية جذرية وإلا خسرت ظهيرها التقليدي، وقابلت حراكا شعبيا ومطالب متصاعدة لا يمكن تلبيتها وتلك خرافة كبرى.

يمكن للإدارة السياسية الحالية للبلاد تخطي حالة الاستقطاب السياسي والمزايدة والمزايدة المضادة السائدة، أو على الأقل يمكنها تحقيق حد أدنى من العدالة والتوافق الاجتماعي بدلا من الحالة التي تشبه الاحتراب والاحتقان الشديد التي وصل إليها المجتمع المصري، ويرجع لمستشاري السوء والانتهازيين الفضل في ما آلت له البلاد الآن، فبدلا من مواجهة الواقع بضرورة تجاوز حالة الاستقطاب، يزيدون الأمر اشتعالا لأنهم مستفيدون من الاستقطاب الاجتماعي الذي يؤدي لمزيد من تراكم المصالح والسلطات والنفوذ في أيديهم.

هناك ملفات عاجلة في حاجة لقرارات إصلاح سياسي جذرية منها: ملف الصحة الذي أصبح الملف المسكوت عنه في حياة معظم المصريين، بعد تكرار حالات الموت على الأبواب بحثا عن غرفة عناية مركزة مجانية أو يغطيها التأمين الصحي الحكومي شبه الغائب تماما. ملف الغذاء والماء وتلوثهما بعد وصول نسب السرطان والفشل الكلوي لمعدلات قياسية غير مسبوقة، وملف الإسكان الاجتماعي وتوفير السكن اللائق بعد وصول أسعار الشقق لمبالغ خيالية بالنسبة لدخل المصريين، وملفات دعم الطاقة والأجور.

ناهيك عن الملفات الأهم في فتح حوار مجتمعي للوصول لتوافق مجتمعي حول الرؤية لمستقبل البلاد، ومنظومة القيم الأساسية التي تحكمها، بما يُمكن من تجاوز فكرة الاستقطاب المجتمعي، وإشاعة حالة قبول واتحاد حول مشروع جديد لمصر يتجاوز آلام الماضي ويفسح مجالا للجميع.

الاستمرار، حتى هذه اللحظة، في ما يسمى الإصلاح الاقتصادي بمفهوم انسحاب الدولة من مسؤوليتها تجاه المواطن، دون توفير بدائل للمواطنين لمواجهة آثار هذا الإصلاح المزعوم، سيؤدي لاحتقان اجتماعي متزايد قد يمهد لانفجار كبير، لأنه يكسر أفق توقع الناس بعد ثورة عظيمة انتظروا منها الكثير، لا أن تؤدي لصراع على السلطة بين الإخوان بغبائهم السياسي وبين البنية العميقة للمؤسسة السياسية المصرية بمستشاريها النمطيين والملكيين أكثر من الملك، ليدفع المواطن البسيط والثائر الحالم ثمن ذلك الصراع، الذي كانت البلاد في غنى عنه.

المفروض أن تكون مثل هذه اللحظات والمواقف الإنسانية دافعا لتبني سياسات جديدة، وخروج أصوات من داخل الإدارة السياسية الحالية للبلاد تنادي بالإصلاح السياسي والعقلانية في إدارة الأمور والحكمة في تدبرها، وتجاوز الاستقطاب الحاصل الذي يتخذه الانتهازيون مبررا لتبرير الصعود الشخصي وزيادة المكاسب الفردية، وتزيين غياب العدل والتأكيد على دافع الاضطرار والطوارئ، على حساب مستقبل الوطن وجعل التكلفة قاسية للإصلاح أو التغيير.

لعل هذا المقطع المصور الصغير يكون شرارة للإصلاح السياسي، وتعديل تجربة الإدارة السياسية الحالية للبلاد نحو المسار الصحيح، فلا بد من أن تصحح الإدارة السياسية المصرية مسارها، وتستعين بأهل الحل والعقد من أصحاب الخبرة والموهبة البارزة في كافة الملفات ذات الشأن السياسي والاقتصادي والثقافي والتعليمي والصحي والزراعي، وأيضا رسم السياسات الخارجية في عالم يتبدل ويشهد ميلاد العملاق الصيني، وفي خضم وضع إقليمي شديد الحساسية يتطلب مهارة في إدارة العلاقات وبناء المصالح المتبادلة ووضوح الاختيارات، لتحقيق أهداف البلاد والأمة العربية.

8