في ضرورة تمييز قوى الثورة المضادة

الخميس 2013/09/19

على الثوري أن يميز بوضوح بين قوى الثورة وبين قوى الثورة المضادة التي تظهر بقوة مع توسع الثورات وإثر عجز سلطة النظام عن وقفها. قوى الثورة المضادة ليست نفسها أذرع السلطة وأجهزتها القمعية التي تواجه الثوار. وليست الميليشيات التي تشكلها أحزاب السلطة من مدنيين (شبيحة وبلطجية) لملاحقة الناشطين وقتلهم أو خطفهم. إنما هي قوى تظهر بين ظهراني الثورة، تلبس لبوسها وتصارع من خندقها وليس من خندق النظام. ولذلك، وهذا متعمد من قبلها، يشتبه الأمر ويختلط على الناس فتبدو وكأنها هي قوى الثورة الأكثر تنظيما وكفاءة وفاعلية وتقدما.المهام الأساسية لقوى الثورة المضادة تتلخص بالقضاء على الثورة من داخلها عبر التعمية على الأهداف الحقيقية للثورة، ومسبباتها المادية، وعبر أنشطة مسيئة للثورة ومحبطة للتوجه الثوري العام. وبالتالي تعمل من خندق الثورة على تجريد قوى الثورة من الحاضنة الاجتماعية ومن الدعم الجماهيري. وتصل في تماديها إلى محاولات تشويه صورة المناضلين والكوادر القيادية وصولا إلى تصفيتهم وحرمان الثورة من خيرة قادتها. وعلى الثوري أن يدرك أنه كلما توسعت الثورة كلما ضاعفت القوى المضادة توسعها وتعددت أشكالها ومجموعتها العاملة على الأرض.

وقد برزت قوى الثورة المضادة وانتشرت بقوة على امتداد الوطن العربي بُعيد ومع تفجر الانتفاضات الشبابية والشعبية التي انطلقت من تونس، وامتدت في هذه البلدان مدعومة بتمويل هائل وتغطية إعلامية كان المقصود منها التعمية على قوى الثورة الحقيقية وفعالياتها، وأكثر من ذلك، التعمية على الأهداف الحقيقية لتلك الانتفاضات، والترويج لأهداف لا علاقة لها بأسباب الثورة، ولكن من شأنها حرف الثورة عن مسارها وتحويلها إلى حروب طائفية وإثنية وقبلية.

وفي سوريا، كان التعاون تاما بين النظام المحلي وبين الرجعيات العربية والقوى الإمبريالية عبر أجهزة المخابرات المتشابكة والتابعة لكل منها في إنتاج قوى الثورة المضادة عبر إطلاق مجموعات ظلامية من معتقلات النظام ورفدها بمجموعات من خارج سوريا، وتزويدها بكل ما تريد من إمكانيات، إضافة إلى التعمية الإعلامية التي مارسها النظام منذ اليوم الأول لمجازر درعا، ثم إطلاق الأبواق الإعلامية المتعددة من شتى البلدان لدعم تلك القوى تحت عنوان دعم الثورة السورية. لا يمكن، وليس من الدهاء في شيء، أن يمارس النظام بفاشيته ودمويته ما تستطيع قوى الثورة المضادة فعله. كل ما يمارسه النظام من جرائم ودموية يرتد عليه تماسكا للجماهير وتصعيدا لقوى الثورة في وجهه. ولكن ما تستطيع قوى الثورة المضادة المتسللة داخل الثورة ومن وراء ظهور قواها المنشغلة في مواجهة قوى السلطة أن تؤمنه، يمكن أن يشوه وأن يظهر صورا قبيحة عن الثورة، تماما كما تفعل اليوم جبهة النصرة ودولة العراق والشام وأشباههما من قوى. وكون هذه القوى ترتبط باستخبارات المراكز الإقليمية والدولية، وكون جماعات المعارضة المكرسة ترتبط بنفس المراكز، لذلك لا تجرؤ المعارضة المكرسة بكل تشكيلاتها على إشهار العداء والتشهير بما تقوم به تلك العصابات وتمارسه من جرائم، حتى لو طالت قيادات الجيش الحر.

إن أسهل الطرق لتمييز قوى الثورة المضادة وتعريتها تكمن في فهم الأهداف العريضة التي تطرحها كمهام. ويمكننا ملاحظة مدى الاستفزاز الذي تتعرض له كلما طرحنا وأصررنا على الأهداف الحقيقية التقدمية للثورة. كما يمكن كشفها حيث تعمل كل ما في وسعها لمنع توحيد قوى الثورة أو حتى التنسيق بينها. إن كل توسع لقوى الثورة المضادة دليل على توسع وتجذر الثورة. لذلك على الثوري أن لا ييأس من تفشي ظواهر الثورة المضادة ثم يدير ظهره، بل عليه أن يصبح أكثر التصاقا بثورته وأكثر تجذرا في نشاطه الثوري، وأكثر إدراكا لمسؤولياته التاريخية.


كاتب لبناني

9