"في ضيافة هنري ميلر" الحرب تساهم في نجاح الكاتب

يؤسّس الكاتب والصحافي اليوناني بسكال فريبوس عمله “في ضيافة هنري ميلر” على حواراته مع الأميركي هنري ميلر (1891 – 1980) حين زاره لبعضة أيام، وتبادل معه الأحاديث، وحاول التعمق بأسئلته في حياته وكتاباته وأفكاره وآرائه وتصوراته للحياة والأدب والفن والحب والجنس والحرب وغيرها من المواضيع، التي اشتغل عليها ميلر في أعماله.
السبت 2015/05/02
أعول على قدرة الأدب على عقد مصالحة بين الأحياء والأموات

يقدم الكاتب والصحفي اليوناني بسكال فريبوس عمله “في ضيافة هنري ميلر” طريقة مختلفة للحوار، يخرج عن النمط التقليدي المتمثل في السؤال والجواب، تراه يكتب انطباعاته وتعليقاته ويجادل ويناقش ميلر، ثم يعيد بناء الحوارات بطريقة روائية، كأنه يحكي فصول روائية من حياة ميلر نفسه.

حين يخبره فريبوس بأنه أمام أسطورة صنعها صاحبها بصبر وأناة، يجيب ميلر مستغربا أنه ليس أسطورة، بل هو ضحية أسطورته ذاتها.

ويصف نفسه بالضحية البريء لكتبه أيضا، وأنه لم يكتب لكي يصير أسطورة فقط، ولكن لكي ينبعث من داخلها. يجد أن الأسطورة في حدّ ذاتها هي الإنهاك المستمر بسبب الرسائل والطلبات المتنوعة. ويقول إن النجاح أفظع من الفشل أحيانا.

ابن الشارع

لفت فريبوس انتباه ميلر الذي كان يتلقّى يوميا عشرات الرسائل، برسالة أرسلها إليه وحركته، لأنه وجدها محايدة لا تطلب شيئا، ويخبره أنه يحب كتابة رسالة لشخص عندما يحسّ بشغف لذلك أو يحسّ بإحدى حماقاته.

يصف ميلر نجاحه العالمي بالمتأخر، وأنه انتظر أن يبلغ الستين كي يتمكن من العيش من كتبه، ويقول إن حياته كانت تتأرجح متلاطمة بين الأعلى والأسفل، والأغلب في الأسفل، وإن الحرب هي التي أنقذته.

ورغم أنه لم يشارك في أي حرب إلا أنه لما بلغ الأربعين كان في اليونان، وتراه يتذكر تلك الرحلة، ويتحدث بأنه عندما كان الرعب يكتسح أوروبا كان نور اليونان يفتح عينيه، وأمام قبر أغاممنون كان يصرخ مع كتسيباليس “سلام لكل الناس وحياة أكثر خصبا”، ولم يكن لندائه أي صدى. ويصف تلك الفترة بالعصيبة التي كان الدم يتدفق فيها والشيطان يسفكها، وفي نفس الوقت كان الجنود يقرأون روايته “مدار السرطان”، وهي تحت معاطفهم. وأنه بعد انتهاء الحرب ذهب الجنود الأميركيون إلى باريس ليقتنوا كتبه، ولهذا يعترف أنه دون تلك الحرب ربما لم يكن بإمكانه الوصول إلى هذا النجاح.

البشر سيضيعون داخل متاهة أضاعوا مركزها خلال الطريق، ويتوجب على الفنان أن يضرب بقوة كي يوقظ رغبة التغيير

يقرّ ميلر أنه عانى كثيرا، وكان يسير في شوارع مدينته نيويورك يبحث عن بعض السنتات، أو عن كسرة خبز، أو عن عمل، أو عن ركن أين يهوي بجسده المنهك.

وأنه قطع آلاف الأميال ببطن خاوٍ مثل متسول، ودون طائل. وفي مفارقة مريرة يقول إنه يعرف كل المطاعم في نيويورك، لا لأنه أكل فيها، بل لأنه تفرّس وجوه الزبائن الآخذين بملء بطونهم. ويصرح أنه أحيانا كان يفكر أنه خُلق جائعا.

حول نشأته في شوارع بروكلين صحبة أبناء الشوارع، يقول ميلر إن طفولته كانت فرحا لا محدودا في المقاطعة 14 ببروكلين حيث نشأ. يقول إنه ولد في الشارع، وإن هذه حقيقة، ولديه إحساس أنه مازال هناك في نيويورك، في باريس… وإن الشارع هو الحرية في اللقاءات والتصرفات. وإنه الحلم أيضا، تعلم الحياة فيه، وتعرف إلى كثير من الأصدقاء الذين أصبحوا شخصيات في أعماله.

يتذكر ميلر أمه بشيء من الأسى والمرارة، ويعترف أنه لم يعرف أبدا حب الأمومة ولا حنان الأم أو قبلاتها. وأنه كان يقترف كل الأفعال التي كانت تزدريها، والتي دفعتها حتى نهاية عمرها ألا تؤمن به أبدا، لا بالإنسان ولا بالكاتب، وهي التي لم تقرأ أبدا سطرا واحدا له. ويقول إنه حين أعلن لأمه قراره بأن يصبح كاتبا، اتخذت موقفا أكثر ذعرا، وكأنه يعلن لها أنه سيصبح مجرما، وتراه يعول على قدرة الأدب على عقد مصالحة بين الأحياء والأموات.

يجد أن ما هو موجود في الواقع والممارسة يدعو إلى التعصب. وأن طرق التحريض سائدة بكثافة والناس يفضلون الأسود أو الأبيض ولا يحبون خلط الأضداد، ويجد أن هذا شديد الواقعية والتعقيد، وأن الإنسان نادرا ما يقبل الحقيقة المتحركة، ولهذا يحاول الإفلات منها. وأنه بدوره حاول النظر إلى الحقيقة وجها لوجه، وأنه قد عانى أيضا.

البشر يفقدون داخل تجارب الحب المؤلم أقنعتهم

يقول إن الحدود شديدة الضبابية بينه وبين أبطاله، بين شكله وشكلهم، بين الكذب والخيال. ويتذكر أنه كتب مسرحية وحيدة حين كان في ألمانيا، واضطر لكتابتها في غضون ثلاثة أيام، وقد كان جائعا حينها. ويجد أن الكتابة للمسرح محفوفة بالمخاطر.

أزمات الحب الحميمة

يقر ميلر أنه يحب أزمات الحب الحميمة، لأن البشر يفقدون داخل تجارب الحب المؤلم أقنعتهم. ويكتشفهم المرء ضعفاء وحقيقيين. وأنه من جهة أخرى يحتاج الرجل والمرأة دائما إلى الحب. العيش بالحب ومن أجل الحب هذا هو واجب الإنسان، كما يقول. ويصف نفسه بأنه لا ينفع لأي شيء، ولا يقدر على الكتابة، ويستشهد بعبارة لهيرمان هسه يقول فيها: “لا ينبغي للحب أن يُستجدَى بل أن يُنتزَع″.

وعن اشتهاره بالكتابة الجنسية يصف بعض قرائه بالمهووسين، وأنه ليس مهووسا بالجنس. ويجد أن على الرجل والمرأة أن يتحررا معا، وإلا سيبقيان عبدين لبعضهما بعضا. وأنه في أعماله لم يعزل الجنس أبدا لكي يعطيه خصوصية استثنائية، وتحدث عنه كجزء أساسي من الحياة. ويجد أنه وصف بالفحش لأنه كتب أشياء فاحشة، وليس أبدا بورنو، لأن البورنوغرافية لها هدف وهو دغدغة الأعصاب، أما الفحش فهو قريب من طقوس الحياة، لأنه ينبه الكائن إلى حقيقة الشيء، محولا الإحساس بالواقعي أكثر حدة.

يجد أنّ لائحة الكتاب المتهمين بالفحش منذ بداية الزمن طويلة، ويعتبر أن الفحش الذي حاكموه من أجل أن يتهتك، يشتم أيضا، ينتمي إلى تقاليد أدبية وجدت منذ ألف سنة. غير أن الأدب الأنكلوسكسوني في القرون الثلاثة الأخيرة قد تعرض للحذف مفتقدا بذلك خاصيته الشمولية. يسأل متهميه ماذا يقصدون بالسلوك الجنسي السوي؟ وأنه لا أحد يعرف كيف يستعيد منذ بدء الخليقة سلوك الإنسان تجاه الجنس، وأن البشر سيضيعون داخل متاهة أضاعوا مركزها خلال الطريق. ويجب على الفنان أن يضرب بقوة كي يوقظ رغبة التغيير، يقول في كل مرة تظهر أثناءها الفحشاء، نحسّ الموت الساحق بشكل ما.

يعتقد ميلر، الذي يصفه محاوره بعاشق الحرية، أن الكاتب لا يستطيع فعل أي شيء، ويتساءل مَن هو ذاك الشاعر الذي رجّ العالم في القرن العشرين كما فعل هتلر؟ وهل هناك نصّ معاصر قلب العالم كما فعلت القنبلة الذرية؟ ويقول إنّنا نحن البشر قبضة الشيطان. وفي معرض تذكّره لكتابه المخصّص لرامبو “عصر القتلة” يرى أنّ الشاعر الحقيقي في طريقه للانقراض، وأنّ القصيدة باتت تكتب بعبارات كيمياوية أو بفيزياء نووية.

يصف ميلر الحرب بأنها سمسرة قذرة للسياسيين وأنها لا تعنيه، وأنه مسالم جدا رغم كل العنف الذي يشعر به في داخله، حتى في حياته الخاصة يكره التقاتل. ويحلم أن يجلس عظماء العالم، متأثرين بالحكمة والصفاء، ومحكومين بنشر السلام العالمي على الكرة الأرضية. ويجد أن حضارة الغرب أصيبت بتصلب الشرايين، وأنهم يعيشون موت الثقافة، وأحاطوا أنفسهم بجميع الظروف لموتهم الوشيك. ويقول إنها النهاية، لقد صنعنا كل شيء من أجل الانفجار، والنهضة مجرد شكاوى للمتفائلين، ويقول لقد فات الأوان.

17