في ظل إقفال أروقة الفن العربية.. الجائحة أم الاختراع

"سجاد أزرق" يقاوم ملل الحجر الصحي بالرسم منتصرا للحياة رغم الفاجعة.
الاثنين 2020/04/27
"لست وحدك" إنسان يختبئ تحت جلده.. من أعمال الفنانة التونسية شهلة سومر

"سجاد أزرق" تجربة فنية افتراضية جمّعتها الفنانة التونسية شهلة سومر عبر ما نشره جمع من أصدقائها الفنانين العرب على صفحاتهم بفيسبوك. رسومات جسّدت تفاعل التشكيليين مع فايروس كورونا المُستجد، كل على طريقته ومدرسته وجماليته، وإن كانت جمالية قٌبح مُستشر في الأرض أصاب البشرية في مقتل.

تونس – أثّرت الحرب العالمية الأولى في الفن التشكيلي العالمي مع بروز الدادائية، وبداية انتشار السريالية التي عرفت مداها وانتشارها مع انطلاق الحرب العالمية الثانية وأثناءها، وبعدها.

ويبدو أن وباء كورونا المُستجد، الذي أعلنه العالم، كل العالم بمثابة حرب عالمية ثالثة جديدة، حرب جعلت نصف سكان الكوكب ويزيد يُلازمون بيوتهم اضطرارا، وتوقيّا من عدوّ غادر يفتك بالبشرية فجأة دون أن يُرى أو يُسمع أو يتكلّم، بل نتكلّم عنه نحن معشر المتضرّرين منه، من خلال إحصاء ضحاياه ومدى انتشاره بين سكان المعمورة لحظة بلحظة.

وباء عدّته البشرية، بمثابة حرب فايروسية مُستجدّة، لا تقلّ تأثيراتها السلبية عن الحربين العالميتين، اجتماعيا واقتصاديا وحصدا للأرواح والضحايا.

ولأنّ الفن، خاصة التشكيلي منه، هو مرآة المُجتمعات وقلبها النابض وموثّق الفواجع قبل المسرّات، كما حدث مع فناني الحربين. اشتغل فنانو العالم، وبخاصة منهم فنانو العالم العربي على ثيمة الفايروس المُستجد كل على طريقته وفي مُعتقله الاضطراري، البيت/ المرسم، الذي تحوّل إلى مختبر لتحليل وتفكيك شيفرة هذا الوباء جماليا بقبحه أولا وأخيرا.

وقديما قيل الحاجة أم الاختراع، واليوم نقول الجائحة أم الاختراع أيضا، على اعتبار أن كل الأروقة مُغلقة حتى إشعار آخر، فمن سيُكمّل حلقة الباث والمُتلقي بين الأثر الفني الذاتي، لوحة الفنان، والمُتقبّل لفنّه، عدا شبكات التواصل الاجتماعي في ظل الحجر الصحي المفروض وغير المرفوض ممّن يطلبون السلامة لهم ولأهاليهم.

من هناك، نشر الفنانون أعمالهم وعصارة ألوانهم، على الشبكة العنكبوتية، خاصة الفيسبوك، الأكثر تداولا وانتشارا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وما تجربة “السجاد الأزرق” التي أقدمت على تنفيذها ونشرها الفنانة التشكيلية التونسية شهلة سومر على صفتحها الفيسبوكية، إلاّ غيض من فيض هذه المعارض الافتراضية البديلة والمفتوحة على العالم بضغطة زر.

“سجاد أزرق” جمعت فيه سومر لوحات من تونس والعراق ومصر وليبيا والقائمة في طريقها إلى التمدّد جغرافيا وجماليا. لوحات رسمت الفايروس وما فرضه على المجتمعات العربية من وسائل وقاية مُستجدة وحياة بديلة/ جديدة في ظل العزل العام.

عزل جمالي

وباء حاصد للأرواح.. كاريكاتير أليم
وباء حاصد للأرواح.. كاريكاتير أليم

عن الفكرة وأهدافها تقول أستاذة الرسم والتشكيلية التونسية شهلة سومر لـ”العرب”، “الهدف هو الوقوف على هذه الطفرة الإيجابية لمُفرزات الحجر الصحي والنتاج التشكيلي، ودور الفنان في التوثيق البصري لما يعيشه ولما يحدث في مجتمعه”.

وأضافت “علاوة على طرح الأسئلة التالية: من يواجه من؟ من على هذه الأرض يسود من؟ من العبد ومن الجلاّد؟ هل لازال حب البقاء يفترض الصراعات؟ أم أن الكون اتسع للجميع؟”.

أسئلة حارقة جسّدتها أعمال مُتعدّدة لأسماء فنية سامقة اشتغلت على الوباء كل على طريقته واتساقا مع مدرسته الفنية التي إليها ينتمي.

شهلة سومر: الحجر الصحي أفرز نتاجا تشكيليا رائعا جمّعته في "سجاد أزرق"
شهلة سومر: الحجر الصحي أفرز نتاجا تشكيليا رائعا جمّعته في "سجاد أزرق"

بين التجريدية، والتعبيرية والسريالية والنحت والرسم بالأقلام وأيضا الكاريكاتير تنوّعت المدارس الفنية، لكن المُستهدف واحد، هو ذاك الفايروس الخفيّ وما تبعه من تغيّر في الحياة التي تشتمّ منها رائحة الموت القادم عبر الألوان التي استفزّها الوباء فجسّدته على القماشة البيضاء.

ولتسمية “السجاد الأزرق” كما بيّنت سومر لـ”العرب” حكاية، إذ تقول “خامرتني فكرة التسمية في افتتاح الدورة الثانية لأيام قرطاج للفن المعاصر الذي احتضنته مدينة الثقافة بالعاصمة تونس تحت إدارة الفنانة الصديقة سماح الحباشي في نوفمبر 2019، فكما للسينمائيين سجاد أحمر، وللمسرحين ستارة حمراء ترفع مع كل بداية عرض، لم لا يكون للتشكيليين لونهم الأزرق الحالم؟”.

وكم كانت التسمية “السجاد الأزرق” مُتسقة مع لون حامله العارض للتجربة “فيسبوك”، ذلك الفضاء الافتراضي الأزرق.

حسين مصدق، حسنين زوالي، شهلة سومر، سحر الشتيوي من تونس، وعلي رضا سعيد العراقي المُقيم في تونس. ستار نعمة ونبيل علي ووضاح مهدي وزياد غازي من العراق، والعراقي المُقيم في لبنان سروان باران. والرسام المصري عماد عبدالوهاب ومواطنه النحات عادل بيومي وكل من الليبيين محمد بالأمين وعدنان معيتيق إضافة إلى آخرين تجد لوحاتهم معروضة على صفحة سومر تحت عنوان “السجاد الأزرق”، ولك أن تتفاعل كيفما تشاء أمام لوحتك التي توافق ذائقتك الفنية الخاصة أو ألمك الذاتي المخصوص لك وحدك إزاء هول الجائحة.

رسم واحد لعدو موحّد

الموت الآتي بأناقة باذخة كما تخيّله الفنان العراقي نبيل علي
الموت الآتي بأناقة باذخة كما تخيّله الفنان العراقي نبيل علي

“أوتوبورتيه” تحت عنوان “لست بخير تماما” للتشكيلي التونسي حسين مصدق، عنوانه يعّبر عن ألمه إضافة إلى سوداوية الألوان التي أتت تجترح وجعها في بوروتريه ذاتي، إزاء حجر ذاتي لا يهم إن كان جماعيا بقدر كونه فرديا مفروضا لا اختياريا كما يودّ الفنان، عند انعزاله لإنتاج الفن الذاتي الوحيد بين الفنون جميعا. فكيف يكون حاله مع رسم وجهه الذاتي في عزل وحشي، أملته عليه الجائحة، وهو الحر الطليق المحلّق في الذاتي اشتغالا والجماعي مُشاركة؟

لوحة “الصرخة” ثاني أشهر لوحة فنية في العالم بعد “موناليزا” دافينشي، والتي جسّد فيها الفنان إدفارت مونك صرخة لشخص واقف على جسر، مثّل فيها الفزع بملامح خائفة وسط سماء حمراء وبحر مسوّد غاضب.

لوحة رُسمت عام 1893، وصفها النقاد أيقونة الفن الحديث، ورمزا فنيا لقلق الإنسان الحديث، ها هي تعود بشكل جديد في لوحة مُستوحاة للفنانة التونسية سحر الشتيوي، مع إضافة خافية، وما هي بخافتة لشكل الفايروس، كما اتفق على تجسيده المخبريون. هي “صرخة” الألفية الثالثة، إذن.

“كورونا بار” لوحة اُخرى للتشكيلي التونسي حسنين زوالي المُقيم في العاصمة القطرية الدوحة، رسم لشيخين في حانة كل يحمل بين يديه زجاجته وكأسه، مُلتزمان بمسافة الأمان، المتر الصحي، الفاصل بينهما، من خلف، وكل يضع كمامة أتت على طريقة “الكولاج”، احتراما لتوصيات المنظمة العالمية للصحة.

فأيّ مُفارقة عجيبة هذه، في احترام قواعد السلامة الحامية من انتشار الفايروس، ونقيضها الداعي إلى التباعد الاجتماعي، وهم في خمّارة جامعة لشهواتهم ورغباتهم في الانتشاء زمن الوباء؟

“لست وحدك” هو عنوان لوحة شهلة سومر التي قالت عنها “لوحة تعبر عن نفسية إنسان يختبئ تحت جلده، في عزلة قاسية، خسر قبلها معركة غير متكافئة، وهو الذي يريد أن يرى ما لا يُرى. فاعتكف خوفا وخشية وليس حبا وروحانية”.

جسدان مُلتصقان احتماءً من خوفهما المرضيّ إزاء مرض مُستجد لا يُبقي ولا يذر، وفي اتساقهما ربما، نوع من ذرّ الرماد على عيون ذاك الواثب المتحفّز للانقضاض، الوباء اللعين كوننا مُتّحدون مُتضامنون في مُقاومته!؟

“لست وحدك” في الألم، في الخوف، في التأهّب من الخطر القادم من فايروس حصد ولا يزال يحصد أرواح أكثر من مئتي ألف شخص، مع حوالي ثلاثة ملايين مصاب حول العالم، رغم الإجراءات الاحترازية المُتّبعة، أولها العزل الصحي الشامل، وآخرها حظر الجولان.

بلا هدف ولا عنوان

جسد عار إلاّ من خيط يلفّه
جسد عار إلاّ من خيط يلفّه

“بلا عنوان” لوحة للفنان العراقي المُقيم في لبنان سروان باران، أتت بلا عنوان، ولو أن العنوان بيّن وجلي فيها، فكلّنا بتنا بلا عنوان ولا هدف، سوى ترقّب مصير أكثر فظاعة في ظل الفاجعة.

بياض يسود اللوحة في تدرّجه اللوني الترابي. التراب مصير البشرية جمعاء إن لم يتّبعوا قواعد الاحتماء من فايروس قاتل. الكمامات على الأنوف والأفواه إلاّ بعضهم، وهم في تزاحم دون تراحم ينظرون إلى المجهول، أو ينتظرون دورهم كي يتحوّلوا إلى مجرّد رقم يُضاف إلى لائحة الوفيات، فالعدّاد يدور، والتعداد السكاني حول العالم في انخفاض!

في شكل أنيق بهيّ وفاخر، يجلس رجل ببُدلة زرقاء وربطة عنق حمراء، على كرسيّ وثير. كرسيّ تسيّد العالم، كيف لا وملامحه المخفية أتت فايروسية مُرعبة؟

هي لوحة العراقي نبيل علي، كأنه يستعيد من خلالها مقولة نيتشه الأثيرة “باتت تأتينا الدولة في شكل تنين ذو وجنتين حمراوين”، لتقول لوحة علي “بات يأتينا الموت بأناقة باذخة”.

يقول تريستان تزارا، أحد نقاد الفن عن حركة دادا التي ظهرت أثناء الحرب العالمية الأولى “إن الله وفرشاة أسناني هما دادا، والنيوركي يمكنه أن يكون دادا، إذا لم يكونوا موجودين أصلا”.

ربما تنطبق هذه الجملة على لوحة للعراقي زياد غازي، مع التنسيب طبعا، رجل مريض على نقالة ورجل ثان/ مُمرّض يجرّه إلى الأمام، واضعا على رأسه صندوقا كرتونيا ربما احتماء من العدوى، فالمريض ومُمرّضه هما الداء عينه. ومن بين الأعمال المعروضة أيضا على “السجاد الأزرق” يحضر الكاريكاتير، بشكله الأليم لا المازح والمرح، كما هو حال هذا الفن الساخر، لفايروس حاصد للأرواح كيفما اتفق. كما يحضر فن النحت أيضا من خلال عمل تنصيبي للمصري عادل بيومي لجسد عار إلاّ من خيط يلفّه، هو الخيط الفاصل بين الداء والدواء، بين المرض والشفاء بين الموت والحياة.

غلاف مجلة، يتصدّرها وجه فتاة واضعة على وجهها كمامة قُدّت من خيوط مُتشابكة كنوع من التبرّج والدلع الناعم، ربما، فهذا غير مهم، لا الفتاة ولا تبرّجها، فنجم الغلاف حتما هو كورونا.

تلك هي لوحة الفنان المصري عماد عبدالوهاب التي لخّصت المرحلة برؤية فنية مُعاصرة تقطع مع السائد والمتّفق عليه استيتيقيا. أليست فلسفة الدادائية تكمن في أكثر ما يمكن أن يتفتّق عن عقل الشخص مرضا؟ وأليس ما نحن فيه اليوم هو المرض عينه؟

ألم يُعدّ فنانو الحركة الدادائية من قبل مؤرخي الفن “أنهم ظاهرة انفجرت في وجه الأزمات السياسية والاقتصادية والأخلاقية، واعتبروها المُنقذ الذي سيبدّد كل هذه المشاكل؟”.

لقد كان العقل والمنطق هو الذي جرّ الناس إلى أهوال الحرب، وكان الشكل الوحيد للخلاص هو رفض كل ما هو تقليدي وتبني منطق الفوضى والرفض. وذلك ما اعتبرته الحركة، أي منطق الرفض، هو المنطق الصحيح. إذ أن في ذاك العصر لا يُمكن تقبّل القيم الموجودة التي تسبّبت بكلّ ذاك الدمار.

وللدمار الفايروسي الشامل، الحالي، أسبابه، ربما، رفض الطبيعة لأدراننا وأوساخنا وما سبّبه عصرنا الاستهلاكي من تلوّث، فثارت أمنا الأرض التي حملتنا وتحمّلتنا لآلاف السنين كابر عن مُكابر، كما لم تتحمّلنا أمهاتنا، أصلا.

فأنّ لها أن تستريح وتستردّ عافيتها. وهو ما حصل تماما وفق دراسات علمية متخصّصة أكّدت أن انحسارا كبيرا في نسبة الغازات الملوّثة والغازات المسبّبة للاحتباس الحراري عرفته بعض المدن والمناطق نتيجة تأثيرات انتشار الفايروس على الأعمال وحركة السفر والتنقل، فتعافت الأرض.

عافية ومُعافاة للطبيعة، جسّدتها لوحات ربانية، هذه المرّة، بالعواصم العالمية أين نبت الورد عشوائيا بجادات الطرق وعلى أسطح المنازل والسكك الحديدية حتى. ولكل حرب مُستفيد حتما.

17