"في ظل القمر" ملاحقة امرأة قاتلة تتنقل عبر الزمن

الفيلم يبحث في حالات موت أشبه بالاغتيال تقع لأشخاص مختارين في إحدى الولايات الأميركية من دون أن يُعرف لها سبب.
الاثنين 2019/10/07
أسئلة عالقة حول ظاهرة غريبة

للزمن جاذبيته الخاصة وسيبقى كذلك، فيما يدور الفلاسفة وصانعو الأعمال الأدبية من حول امتداداته وحول أنفسهم أيضا، علّهم يجدون مدخلا يتيح لهم أي مرونة ممكنة للانتقال من خلاله. وهو ما انعكس أيضا في العديد من أفلام الخيال العلمي، لعلّ آخرها فيلم “في ظل القمر” للمخرج جيم ميكل.

لم تقتصر قصة الانتقال عبر الزمن في العديد من أفلام الخيال العلمي على ما وقع أو ما سوف يقع في المستقبل، أي تناول ذاك الخط الممتد من الماضي إلى المستقبل فحسب، بل تم التطرّق أيضا إلى خطوط متشعبة أخرى تتعلق بركام من الأزمنة المتشابكة التي يبدو من الصعب الخلاص منها، ولهذا تتم مقاربتها في مثل هذا النوع من الأفلام بطرق مختلفة.

ولنا في ذلك العديد من الأمثلة كالتي شاهدناها مثلا، في فيلم “لوبر”، حيث تنتقل الشخصية عبر الزمن ويتم قتل الناس لنقلهم إلى زمن آخر، أو كما وقع في فيلم “القضاء والقدر” الذي عني بثيمة الانحباس في الزمن لتغيير المصير، أو تلك التي اعتمدتها السينما منذ بداياتها البكر مع الأخوين لوميير والتي تزامنت مع رؤية الكاتب الشهير جول فيرن المستقبلية، وخوضهما في ثيمة الرحيل المجرد عبر الزمن.

وفي الفيلم الجديد “في ظل القمر” للمخرج جيم ميكل نعود إلى الإشكالية ذاتها، ليغترف من فلسفة الزمن التي ترى في هذا النظام العجيب ما لا يمكن الإحاطة به.

ينطلق الفيلم منذ الوهلة الأولى بأحداث تقع في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، حالات موت أشبه بالاغتيال تقع لأشخاص مختارين في إحدى الولايات الأميركية من دون أن يُعرف لها سبب، إذ تنتهي بنزف الضحايا دماءهم من عيونهم وآذانهم وأفواههم لتنتهي حياتهم. وجميعهم مصابون بما يشبه الوخزات على الرقبة.

فتاة غامضة تظهر كل ثماني سنوات لتفتك بالأرض وما عليها
فتاة غامضة تظهر كل ثماني سنوات لتفتك بالأرض وما عليها

وكل تلك المعطيات كانت كافية للبحث عن فتاة مشتبه بها سمراء البشرة، ولهذا يتم جلب كل فتاة غير بيضاء البشرة والتحقيق معها حتى ننتهي إلى مواجهة حاسمة بين تلك الفتاة السمراء ريا (الممثلة كليوباترا كولمان) وبين رجل الشرطة لوك (الممثل بويد هولبروك) تنتهي بمقتل ريا وتمزقها أشلاء من جراء اصطدامها بقطار، لكنها وقبل أن تموت تخبر لوك بأن زوجته حامل بجنين أنثى وأن عليه الاهتمام بها.

مقتل ريا المبكر كان محيرا تماما في مساحة زمنية من الفيلم مما أعطى المشاهد إحساسا بنوع من الهبوط في الإيقاع الفيلمي، لكننا ننتقل إلى ما بعد ذلك بثمانية أعوام، أي إلى العام 1996، حيث تموت زوجة الضابط ويحتفظ الأب بالطفلة.

في ذلك العام تقع ذات الأحداث التي وقعت قبل ثماني سنوات والضحايا يموتون من جراء نزيف في الدماغ من العينين والأنف والأذنين، وهي نفس الأعراض والأحداث التي وقعت في العام 1988، لكن الأكثر غرابة أن الفاعلة هي نفسها التي يفترض أنها قضت في حادثة القطار وتمزّقت أشلاء.

لا تفلح جميع الإجراءات الحكومية في تفسير ذلك اللغز المحيّر، ما يدفع لوك للتفرّغ لغرض الوصول إلى السر في تلك القضية الغامضة، وبهذا يتتبّع الضحايا فيكتشف أنهم جميعا أعضاء في تجمع للدفاع عن العرق الأبيض ويجري الاقتصاص منهم الواحد بعد الآخر.

والأغرب من ذلك كله، أن يستمع لوك إلى تفسير باحث فيزيائي يذهب إلى أن دورة القمر تلعب دورها في ما وقع في الماضي وما يقع الآن وفي المستقبل أيضا، فمع دورة القمر، أي بعد كل 8 سنوات ستعاود الفتاة الظهور لترتكب جرائمها، ثم ترجع من حيث أتت.

وليس النفاذ عبر الزمن وحده هو الذي يميّز رايا، بل في كونها مستقبلية بالأساس وأنها تعيش في زمان غير زماننا، ولهذا فحتى وسيلتها في القتل متقدّمة تماما على زمننا.

النسيج الدرامي والسرد الفيلمي رسخا قصة متشابكة بتشابك الزمن وعمّقا حبكة غريبة تماما ومليئة بالأسئلة والاحتمالات، بما في ذلك الرموز الغامضة المرتبطة بالشخصية.

والزمن هنا فاعل يفعل فعله في الشخصيات ويجعلها تدور حول نفسها ولا تجد تفسيرا مقنعا لما يجري، وإذا كان ذلك الزمن البشري قد سار في مساره الخطي المباشر لتعيش ابنة لوك وتكبر ثم تقرّر الزواج من شاب أسمر، فإن المفارقة التي لا تكاد تصدّق أن رايا هي ليست إلاّ حفيدة لوك من ابنته التي سوف تلدها في نهاية الفيلم. وهذا التحوّل الدرامي أوجد خطا سرديا مفاجئا وغريبا وأحبط مساعي لوك للاقتصاص من رايا، فهي في الأخير حفيدته في المستقبل.

وحفل الفيلم بتنوّع مكاني ملفت للنظر، ممّا عمّق تلك الدراما بأن جعل لكل فصل من فصول الفيلم بيئته المكانية الخاصة، كما أنه ملاذ للشخصيات في تحوّلها. وأما على صعيد الشخصيات فلا شك أن لوك يختصر التاريخ كله في تلك القصة، فهو الذي واكب الحقب الزمانية المتتالية في شكل سلسلة كل منها أمدها ثمان سنين حتى تحضر رايا مجددا.

ويواجه لوك وضعا صعبا في انشغاله عن ابنته وقيامه بالتحري من دون علم السلطات لكي يعيش مثل ناسك ينأى بنفسه عن العالم، وهو يشاهد رايا تهبط من خزان مائي زجاجي هي مركبتها التي سوف تنطلق بها إلى أرض مجهولة.

لم يكن من السهل على المخرج جيم ميكل أن يلم شتات كل تلك الخطوط الدرامية، لكنه نجح إلى حد كبير في تقديم فيلم يغوص في الرموز ويبتكر شخصيات ويوجد صراعات وتحوّلات بارعة وملفتة للنظر.

16