في "عسكرة الإسلام"

الاثنين 2014/02/03

المسألة أنّ هناك مزاجا جهاديا وقتاليا واحترابيا أفضى في الأخير إلى ما يشبه “عسكرة الإسلام”. كان ذلك المزاج قد بدأ يتشكل منذ الأزارقة والحشاشين وابن تيمية، بل ومنذ بدء التقسيم الفقهي للعالم إلى معسكرين: دار للحرب ودار للإسلام، وصولا في الأخير إلى ظاهرة الإرهاب العالمي.

وقبل أن ينجلي خطر الإرهاب العالمي في القدرة على امتلاك تقنيات التفجير والنسف والتدمير، فإنه كان ولا يزال يكمن في مضامين الخطاب الديني السائد والتي- حتى في حالة سلميتها المزعومة- فإنّها ظلت تصور العالم وكأنه في حالة حرب أبدية بين معسكرين: الخير والشر، الحق والباطل، حزب الله وحزب الشيطان إلخ. حيث الحق يمثله المسلمون دائما وأبداً كضحايا وأبرياء ومستضعفين في الأرض، والباطل يتمثل منذ زهاء قرنين في الغرب وأميركا كمعتدين ومتآمرين ومستكبرين في الأرض، زائد “عملاؤهم” في الدّاخل.

وعلى هذا النحو من الخطاب قد يتصور المسلم نفسه كأنه في حالة حرب دائمة مع عالم غريب عنه وهو غريب فيه، وأنّ عليه أن يكون في حالة استنفار وأهبة لإشعال نار الحمية وإشهار سيف الغضب، بسبب أو بدون سبب، حتى إذا صدرت فتوى تحرض على الزّحف والنفير أو العنف والتفجير، كان بعض الشباب جاهزاً لتلبية النداء، لا يطلب حجّة أو براهين، ولا سنداً أو يقينا. لقد قلنا وأكدنا مراراً، إنّ الخطاب أخطر من الفعل؛ لأنّ الفعل في غياب خطاب داعم، قد يكون عرضيا وطارئاً وحالة خاصة ومعزولة كما يقولون.

الخطاب الديني السائد- وهنا مكمن العطب- يكاد يحوّل الإسلام إلى مجرد عقيدة احترابية. فإذا ما أسلم شخص هنا أو آخر هناك، اعتُبر ذلك نصراً للإسلام، وإذا ما “ارتدّ” مسلم هنا أو آخر هناك، اعتُبر ذلك خطراً على الإسلام والمسلمين.

ولأنّ الحرب خدعة كما يروى، ولأن العالم في حالة حرب دائمة بين الشر والخير، والكفر والإيمان، تصبح سياسة بعض الجماعات الإسلامية في المستوى المحلي والدولي قائمة على المكر والتقية والخديعة والكتمان في انتظار لحظة النصر والتمكين.

وهكذا، انتهت عسكرة الإسلام إلى تبديد الموقف الإنساني الأكثر نبلاً وأصالة داخل وجدان الإنسان الديني، الموقف الهابيلي (نسبة إلى هابيل) وفق الخطاب القرآني: (لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) الآية 28، سورة المائدة.

ماذا فعلنا بهذه الآية؟

المسألة كل المسألة أنّ لا الفقهاء ولا الدعاة ولا الشيوخ ولا الوعاظ ولا علماء الدين ولا السلفيين ولا الإسلاميين، ولا أحد على وجه التقريب استنبط من الموقف الهابيلي ولو حكماً فقهياً واحداً، وفي المقابل فقد استنبطوا من آية السيف مئات الأحكام الفقهية، بل ظنّ الكثيرون أنّ تلك الآية ناسخة لأكثر من مئة آية حول الصفح والغفران، وتلك فضيحة صارخة.

واليوم، تكاد تنتصر علينا غرائز الموت والهدم والانتقام ضدا على غرائز الحياة والبناء والسلام. وتلك آفتنا.

كاتب مغربي

8